الحكومه «المشغله» والحكومه الراعيه

في ظل الاجواء، التي نعيشها حاليا، يتدحرج علي الساحه سؤال محوري يفرض نفسه بعد سنوات من التجاهل، كيف نبني دوله ذات اقتصاد قوي، يكون فيها القطاع الخاص شريكا حقيقيا في صناعه النمو والتنميه؟ خصوصا اذا عرفنا ان التحديات الاقتصاديه تتزايد، وطبيعه الاسواق تتغير، بالاضافه الي سرعه التطور التكنولوجي، وارتفاع كلفه اداره المؤسسات. كل ما سبق تحول الي عوامل تدفع نحو اعاده النظر في النموذج التقليدي، الذي يجعل الحكومه المسؤول الاول عن اداره وتشغيل عدد كبير من القطاعات والانشطه الاقتصاديه، وان يكون البديل هو حشد الحكومه مواردها وقدراتها علي مجالات تستطيع ان تؤدي دورها خلالها بكفاءه اكبر، بدلا من تشتيت امكاناتها في اداره انشطه يمكن للقطاع الخاص القيام بها بكفاءه ومرونه اكبر هو الاخر. اعاده تعريف دور الدوله او الحكومه بات ملحا، علي ان تركز من خلاله علي مسؤولياتها الاساسيه، بينما يتولي القطاع الخاص مساحه اكبر من النشاط الاقتصادي والانتاجي، وحتي الخدمي، في اطار من التنظيم والرقابه وحمايه المصلحه العامه، وتبقي الصحه والتعليم والامن في مقدمه مسؤوليات الحكومه، باعتبارها قطاعات تخدم التنميه. الدور الاخير للحكومه او الدوله، وفق هذه المبادره، ان تضمن وتساعد في جعل القطاع الخاص المحرك الرئيسي للاستثمار والانتاج والتجاره والخدمات والابتكار وخلق فرص العمل، فالقطاع الخاص عندما يعمل في بيئه تنافسيه عادله، وتحت قوانين واضحه، يستطيع اتخاذ القرارات بسرعه، واستقطاب رؤوس الاموال، وتطوير المنتجات والخدمات، والاستجابه لحاجات السوق، وهنا لا يكون الهدف هو اضعاف القطاع العام، بقدر ما هو تخفيف الاعباء التشغيليه عن الدوله، واطلاق الطاقات الاقتصاديه الموجوده في المجتمع. المبادره او المشروع ليس «خصخصه»، بعد ان تحولت هذه المفرده، في اطار عدم الوعي والفهم، الي اداه تخويف، بل الفكره هي اعاده توزيع الادوار بين الحكومه والقطاع الخاص، وهنا تكمن الفكره الاساسيه للمبادره، فالمطلوب ليس خصخصه عشوائيه، ولا بيع مؤسسات الدوله لمجرد التخلص من اعبائها، وانما اعاده توزيع مدروسه للادوار بين الطرفين، فهناك قطاعات يجب ان تبقي تحت المسؤوليه المباشره للدوله، واخري يمكن ان يديرها القطاع الخاص، وهناك قطاعات ثالثه يمكن ان تقوم علي الشراكه بين الطرفين. اي تحول اقتصادي كبير يحتاج الي ان يكون الانسان في مركزه، ولذا يجب الا يتحول الاصلاح الي مصدر قلق للموظفين، او سبب لفقدان الامن الوظيفي بصوره مفاجئه، بل ينبغي ان يصاحب التحول برنامج لاعاده التاهيل والتدريب، واعاده توزيع الكفاءات، وتشجيع الانتقال الطوعي الي القطاع الخاص، وخلق فرص جديده امام الشباب. ناصر العبدلي