شوبنهاور.. رفيق الدرب

هذا المقال، المتعب، يتطلب التاني في قراءته، لذا خصصته ليوم العطله، او الجمعه. من الامور التي يميل اغلبيه البشر لها، بصرف النظر عن تقدمهم الحضاري او التقني، او تاخرهم، الاخذ باراء الاخرين، و«مع الخيل يا شقرا»، فطالما الاغلبيه تسلك ذلك الطريق، فهو غالبا الطريق الصحيح، وربما الاقصر والاكثر امانا، وقد يكون العكس هو الصحيح. لذا اصبح التفكير خارج النسق العام، او خارج الصندوق مساله صعبه، لانه لم يتم تدريب الاغلبيه علي السير عكس التيار، بل تم دفعهم، عمدا او مصادفه، للابتعاد عن التفكير المستقل. وللفيلسوف شوبنهاور فقره بالغه الاهميه، نشرها في كتابه «مقالات واقوال ماثوره»، وتحديدا مقالته «في التفكير المستقل»، ملخصها ان التفكير المستقل نادر الحدوث، لان الناس يميلون الي قبول الاراء الجاهزه، والسماح لافكار الاخرين بان تحل محل افكارهم. حرصت طوال حياتي علي ان يكون تفكيري مستقلا، الا انني احيانا اتاثر، ولا ازال اميل للتاثر بالاراء الجاهزه، والسماح لاراء وافكار غيري بان تؤثر علي، وان بدرجه اقل من غيري، ربما. فقد كنت طوال حياتي شخصا مختلفا عن محيطي، في شكلي وافكاري، وحتي في ما ارتدي، وطبعا في ارائي. ومثال علي ذلك اقدامي، في سن مبكره، علي حلق «شواربي»، التي كانت في الستينيات، وما قبلها وحتي اليوم، من الامور التي يضع البعض يدهم عليها، عندما يودون التعهد او الحلف بتنفيذ عمل ما، او تحقيق مطلب صعب، مع ضروره القول بان اختلافي عن الاغلبيه، لم يجعلني يوما، باي حال، افضل منهم. كما يقول ارثر شوبنهاور Schopenhauer، فيلسوف التشاؤم الالماني: «بعض الناس لا يفكرون ابدا، وعندما يفكرون، فانهم لا يفعلون سوي اعاده ترتيب افكارهم المسبقه!»، وهو من الاقتباسات التي تدور حول التحيز والتفكير المستقل وخطر اتباع اراء الاخرين، وان الانسان، او «الرجل»، الذي لا يفكر بنفسه لا يفكر اصلا. فـ«السمه الاساسيه للعبقري هي انه يفكر بنفسه»، فمعظم الناس غير قادرين علي التفكير المستقل، بل علي التصديق فقط، خاصه ان كانت الاراء صادره من «مؤثرين»، او تكرر سماعهم لها، فـ«سلطه الاراء عظيمه لدرجه ان الناس سيصدقون اكثر الاشياء سخافه اذا ما تكررت بما فيه الكفايه». نري، وفق اقوال شوبنهاور، انه «كلما ازداد الانسان قوه، قلت حاجته الي ما هو خارجي». لذا لا يريد او يرغب المجتمع، او من يسيطرون عليه، ان يكون الانسان قويا، فذلك يعطيه الاستقلاليه، وتقل حاجته للاخرين، لذا نجد ان رفيعي او عميقي الثقافه اكثر قدره علي العيش بعيدا عن الاخرين، والعكس صحيح. ومن اقوال شوبنهاور: «اعظم الحماقات هي التضحيه بالصحه من اجل اي نوع اخر من السعاده». فعندما نعتقد ان المخدرات او التدخين او تناول المشروبات مثلا، تجعلنا نشعر بسعاده اكبر، ويتم ذلك علي حساب صحتنا، فاننا في النهايه سندفع الثمن غاليا، وهذا يمثل قمه الحماقه. احمد الصراف