ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم طالب الرفاعي

هذا ليس وجهي

هذا ليس وجهي

«اخي طالب، اعجبتني الطريقه التي تناولت بها تحليل الروايه، وسوف ابحث عنها كي اقراها». رساله صغيره وصلتني من صديق، ومعها تسجيل فيديو. فتحته، واذ بي لا اصدق ما اري. هو انا. بوجهي، ونظراتي، وتسريحه شعري الاشيب، ونبره صوتي، جالس خلف مكتبي، الذي اشتغل فيه كل يوم، اتكلم عن روايه مترجمه. تابعت الفيديو بفضول، ومع الفقره الاولي، صدمت بشده: انا لا اعرف هذه الروايه، ولم يسبق لي ان قراتها، وبالتاكيد لم اتكلم عنها يوما. اوقفت الفيديو. اخذت نفسا طويلا، وانا احدق في الشاشه الصامته، افكر: كيف ارد علي هذا الصديق؟ لكن قبل ان اتصل به، وصلني اتصال منه: «هذا فيديو ذكاء اصطناعي».. بادرني قبل ان انطق بكلمه واحده. دار بيننا حوار هادئ. اخبرني انه تعمد هذه التجربه معي، لاني صديقه بالدرجه الاولي، ولاني كاتب معروف، ولي متابعون علي مختلف منصات التواصل، وبيني وبينهم احترام متبادل، واخيرا، وهذا هو المهم، لي مقابلات وتسجيلات فيديو كثيره علي شبكه الانترنت. «اخي العزيز، العالم تغير، وعلينا ان نستعد لذلك، ونحمي انفسنا منه». اخبرني ان اي شخصيه معروفه، لها تسجيلات علي مواقع الانترنت، يمكن اخذ كل صفاتها الشخصيه منها: الوجه، ونظره العينين، والملامح الفارقه، مرورا بنبره الصوت، وانتهاء ببعض الكلمات التي تتردد علي لسانها. بعدها، تمرر هذه المعلومات الي برنامج ذكاء اصطناعي متخصص، مصحوبه بالسيره الذاتيه للشخص، وبالتسجيل الاصلي المراد تقليده، ويطلب منه ان يجعله ينطق بمحتوي جديد، معد سلفا. سالته: «ما مستوي تعمق المختص ببرامج الذكاء الاصطناعي، ليمتلك هذه القدره؟». اجابني: «ليس كثيرا، لان برامج تعلم تقنيات الذكاء الاصطناعي متاحه للجميع، وبالمجان». طالت مكالمتنا. اخافني حديث صديقي جدا، ففيديو صغير قد يدمر اسره، وقد ينهي مستقبل شابه او شاب، وقد يتسبب بطرد موظف من مؤسسه ماليه، وقد، وقد... كنت اصغي اليه، وهو يقول: «علينا ان نكون حذرين جدا في تصديق وتحليل كل ما يصل الينا، والا نتسرع باتخاذ اي اجراء تجاه اي شخص دون التاكد منه اولا، واخيرا، علينا التواصل مع الجهات المختصه لعرض مثل هذه الاعمال عليها». انهيت المكالمه وانا مشوش، لا افكر بنفسي وحدها، بل بالكيفيه التي يجب ان نحصن بها انفسنا، نحن وزوجاتنا وابناءنا وكل الاصدقاء الذين نعرفهم. وبقيت معي نصيحه صديقي الذهبيه: «لا تقدم نفسك باي فيديو الا للضروره». هي سنن العيش؛ كل اختراع جديد له مزاياه الحسنه، وهو في الوقت نفسه يحمل مخاطره، وما اكثر تلك المخاطر التي تنتظرنا من وراء الذكاء الاصطناعي. السؤال الذي ارقني، وانا اطفئ شاشه الهاتف في تلك الليله، ليس عن الفيديو، بل عن وجهي نفسه: فكم من «انا» سيصبح لي في هذا العالم، لا اعرف عنها شيئا، ولا تعرف عني شيئا، سوي انها تشبهني تماما؟ طالب الرفاعي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓