واشنطن وطهران امام تحديد مسار المنطقه

اليوم لم تعد المواجهه بين الولايات المتحده وايران مجرد ازمه مفتوحه، بل اصبحت امام لحظه مفصليه قد تحدد شكل المنطقه خلال الاشهر المقبله. فبعد اشهر من الضغوط والعقوبات والعمليات العسكريه، عاد التصعيد اخيرا الي الواجهه، فيما تحاول عواصم اقليميه، في مقدمتها الدوحه واسلام اباد، ابقاء باب التفاوض مفتوحا. واللافت ان التصعيد الاخير جاء في وقت كانت فيه الوساطات تحاول اعاده بناء المسار الدبلوماسي. فقد اكدت قطر استمرار جهودها مع باكستان وعمان لخفض التصعيد واعاده الطرفين الي طاوله التفاوض، فيما تؤكد اسلام اباد ان مذكره التفاهم السابقه ما زالت تمثل اطارا يمكن العوده اليه متي توافرت الظروف المناسبه. ولكن التطورات الاخيره تجعل الطريق الي التسويه اكثر صعوبه. فقد اكدت تقارير امريكيه ان قواتها استهدفت ثلاث ناقلات نفط ايرانيه، بينما تحدثت ايران عن استهداف ناقله قرب جزيره خرج، في تطور يرفع منسوب المخاطر. اي مسار ستسلكه الازمه خلال الاشهر الثلاثه المقبله؟ السيناريو الاول: التسويه التدريجيه رغم كل التصعيد، لا يزال سيناريو التسويه قائما، وربما يكون الخيار الاكثر عقلانيه لجميع الاطراف. ولكن التسويه، اذا حدثت، لن تكون علي الارجح اتفاقا شاملا يطوي كل الملفات دفعه واحده. والاقرب هو تسويه مرحليه تبدا من النقاط الاكثر الحاحا، وعلي راسها امن الملاحه في مضيق هرمز، ثم تنتقل الي الملف النووي والعقوبات. وهناك اساس يمكن البناء عليه بالفعل. فقد شهد يونيو الماضي تفاهمات بين واشنطن وطهران تضمنت وقف العمليات العسكريه وترتيبات لحريه الملاحه ورفع الحصار البحري وفتح الطريق امام مفاوضات طويله الامد، كما ان لجنه سياسيه ومجموعات فنيه كانت قد تشكلت لمناقشه الملفات النوويه والعقوبات واليات المراقبه وتسويه الخلافات. وهذا يعني ان العوده الي التفاوض لا تحتاج بالضروره الي اختراع مسار جديد، وانما الي احياء اطار تفاوضي سبق ان وجد ثم انهار. والاهم ان الطرفين لديهما مصلحه في مثل هذه التسويه. فواشنطن تستطيع ان تقول ان الضغط الاقتصادي والعسكري اجبر ايران علي تقديم تنازلات. وطهران تستطيع ان تقول انها نجحت في منع تحويل الضغط الي تغيير للنظام، وحصلت في المقابل علي تخفيف للعقوبات وضمانات تتعلق بالملاحه والاقتصاد. وهنا تصبح التسويه مخرجا يحفظ ماء الوجه للطرفين. لذلك فان نجاح قطر وباكستان وعمان في تثبيت هذا المسار سيكون المؤشر الاهم خلال الاسابيع المقبله. قطر اعلنت صراحه ان الاولويه هي احتواء التصعيد واعاده فتح الطريق امام الدبلوماسيه، فيما تؤكد باكستان ان جهودها مستمره رغم عوده القتال. اما السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويله، هذا هو السيناريو الذي اراه الاكثر احتمالا اذا فشلت جهود الوساطه في تحقيق اختراق سريع. وفيه لا تذهب واشنطن الي حرب شامله، ولا تقبل ايران بتسويه نهائيه، وانما يستمر الصراع في المنطقه الرماديه. ضربات امريكيه محدوده، وردود ايرانيه محسوبه، عقوبات وحصار اقتصادي، ضغوط علي صادرات النفط، وتهديدات للملاحه، مع استمرار القنوات الخلفيه. وهذا السيناريو بدا ياخذ ملامح واضحه بالفعل. اما السيناريو الثالث: المواجهه الشامله، فهذا هو السيناريو الاقل احتمالا، لكنه الاكثر خطوره. فالولايات المتحده وايران تدركان ان الحرب الشامله ستكون مختلفه تماما عن الضربات المحدوده. لن تقتصر تداعياتها علي ايران، وانما يمكن ان تمتد الي مضيق هرمز والمنشات النفطيه والممرات البحريه ودول الخليج، مع احتمال دخول اطراف اقليميه اخري علي خط المواجهه. اعتقد ان الاشهر الثلاثه المقبله ستكون حاسمه، ويمكن تقسيمها الي ثلاث مراحل محتمله. ستكون مرحله اختبار للوساطات. هل تستطيع قطر وباكستان وعمان اقناع الطرفين بالعوده الي صيغه تفاوضيه؟ ام ان التصعيد العسكري سيستمر؟ وهنا سيكون مضيق هرمز هو الاختبار الاول. اذا لم يحدث اختراق دبلوماسي، فان الضغط الاقتصادي علي ايران سيصبح اكثر تاثيرا. الولايات المتحده تراهن بوضوح علي ان خنق صادرات النفط سيضعف قدره طهران علي الاستمرار في المواجهه. وتشير بيانات حديثه الي ان صادرات النفط الايرانيه تراجعت بصوره حاده خلال الاشهر الاخيره. لكن كلما ازداد الضغط الاقتصادي علي ايران، ازدادت حاجتها الي امتلاك ورقه تفاوضيه قويه. وقد تكون هرمز تلك الورقه. وهذا يعني ان زياده الضغط الاقتصادي قد تؤدي الي نتيجتين متناقضتين: اما دفع ايران الي التفاوض، او دفعها الي رفع مستوي التصعيد. واذا لم تنجح الدبلوماسيه، فستصبح الخيارات اكثر صعوبه. اما اتفاق مرحلي يعيد فتح الباب امام تسويه اكبر، او استمرار استنزاف طويل، او تصعيد عسكري جديد. وسيكون العامل الحاسم انذاك هو قدره كل طرف علي تحمل كلفه الانتظار. وهنا تاتي اهميه الوساطه، فالوسيط الناجح لا يقنع الطرفين بان احدهما يجب ان يتراجع، وانما يقنعهما بان التنازل المتبادل ليس هزيمه، بل تكلفه ضروريه لمنع تكلفه اكبر. لذلك التسويه ما زالت ممكنه لكن النافذه تضيق. د.نوره صالح المجيم