ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. عبدالحميد الشايجي

اعلام من بلدي (4).. الشيخ عبدالله السالم الصباح.. رائد الاستقلال وباني الدوله الدستوريه

اعلام من بلدي (4)..  الشيخ عبدالله السالم الصباح.. رائد الاستقلال وباني الدوله الدستوريه

الحلقه الثالثه: 19 يونيو 1961.. حين استعادت الكويت سيادتها حين وقعت اتفاقيه سنه 1899 بين الشيخ مبارك الكبير وبريطانيا، كان طفل كويتي في نحو الرابعه من عمره يعيش سنواته الاولي. ولم يكن احد يعلم ان ذلك الطفل، الشيخ عبدالله السالم الصباح، سيكبر ليصبح امير الكويت الذي يطوي، بعد اكثر من سته عقود، الصفحه التي بدات في ذلك العام. في سنه 1899 بدات مرحله الحمايه، وفي 19 يونيو 1961 انتهت. وبين التاريخين عاش عبدالله السالم تحولات الكويت، ثم اصبح احد كبار صناع تاريخها. فما بدا في طفولته عهدا من الحمايه، انتهي في عهده عهدا من الاستقلال. وهنا تكمن واحده من اجمل مفارقات التاريخ؛ فعبدالله السالم لم يكن رجلا مر علي تاريخ الكويت، بل كان رجلا من تاريخها؛ عاش تحولاتها، وحمل همها، واعطاها من عمره حتي قادها الي عتبه الاستقلال والدستور. اولا: من الحمايه الي السياده حين وقعت اتفاقيه 1899، كانت الكويت تعيش ظروفا اقليميه ودوليه شديده التعقيد، وكان الشيخ مبارك الكبير يسعي الي حمايه كيان الكويت واستقلال قرارها في ذلك الظرف التاريخي، فجاءت الاتفاقيه لتنظم العلاقه مع بريطانيا وفق مقتضيات تلك المرحله. لكن الزمن تغير. فالكويت التي دخلت القرن العشرين محدوده الموارد والامكانات، خرجت من النصف الاول منه دوله مختلفه تماما. وفي عهد عبدالله السالم، كانت البلاد قد قطعت شوطا واسعا في بناء قدراتها، ونمت مؤسساتها، واتسعت مواردها، وتطور مجتمعها، واصبحت تمتلك مقومات الدوله الحديثه. وهنا تغير السؤال، لم يعد السؤال: كيف تحافظ الكويت علي وجودها؟ بل اصبح: متي تصبح الكويت صاحبه قرارها الكامل؟ كان عبدالله السالم يدرك ان الدوله، التي اصبحت قادره علي اداره شؤونها في الداخل، ينبغي ان تمتلك كذلك سيادتها الكامله في الخارج. ومن هنا بدا الانتقال التاريخي من مرحله الحمايه الي مرحله الاستقلال. ثانيا: عبدالله السالم.. حين اصبح الاستقلال قرارا لم يكن استقلال الكويت قرارا مفاجئا، ولا وليد لحظه عابره، بل كان ثمره مسار طويل من التحول السياسي والاجتماعي وبناء الدوله. وكان عبدالله السالم يدرك ان الاستقلال ليس مجرد انهاء علاقه سياسيه، وانما مسؤوليه جديده تفرض علي الدوله ان تمارس سيادتها بنفسها، وان تتحمل اعباء امنها وعلاقاتها ومصالحها. ولهذا قاد المسار السياسي، الذي انتهي الي انهاء اتفاقيه 1899، والانتقال الي علاقه جديده مع بريطانيا، تقوم علي الصداقه والتعاون بين دولتين مستقلتين. كان الهدف واضحا: انهاء الحمايه، وبناء علاقه جديده تقوم علي النديه والاحترام المتبادل. ولم يكن ذلك قطيعه مع التاريخ، بل انتقالا الي مرحله جديده منه. ثالثا: يوم استقلال الكويت في 19 يونيو 1961 تبادلت الكويت وبريطانيا مذكرتين انهتا الاطار التعاقدي، الذي قامت عليه اتفاقيه 1899، واقامتا علاقه جديده بين البلدين علي اساس الصداقه والتعاون، لتدخل الكويت مرحله الاستقلال والسياده الكامله. لكن ذلك اليوم كان اكثر من تغيير في وثيقه سياسيه. كان انتقالا تاريخيا: من الحمايه الي السياده، ومن الاعتماد علي الترتيبات السابقه الي تحمل المسؤوليه الوطنيه، ومن انتظار المستقبل الي صناعته. وهنا تظهر عظمه اللحظه في حياه عبدالله السالم: الرجل الذي كان طفلا عندما بدات مرحله الحمايه، اصبح الامير الذي قاد الكويت الي انهائها. لم يكن الاستقلال بالنسبه اليه مجرد حدث سياسي، بل كان تتويجا لمسار طويل من بناء الدوله وتهيئه الانسان والمؤسسات والقدره الوطنيه، لقد اصبحت الكويت مستقله. لكن الاستقلال نفسه كان علي موعد مع الاختبار. رابعا: الاستقلال.. والاختبار الاول ما ان دخلت الكويت مرحله الاستقلال حتي واجهت تحديا خطيرا. ففي 25 يونيو 1961 اعلن رئيس الوزراء العراقي عبدالكريم قاسم مطالبته بالكويت، ورفض الاعتراف باستقلالها، في تحد مباشر للدوله الكويتيه الناشئه، وكان ذلك اول اختبار حقيقي لمعني السياده. فالدوله التي اعلنت استقلالها كان عليها الان ان تثبت ان استقلالها حقيقه سياسيه قابله للحمايه والدفاع. تحركت الكويت سياسيا ودبلوماسيا، وفي ظل التهديد العراقي طلبت العون، فوصلت القوات البريطانيه الي الكويت في اطار عمليه عسكريه لحمايتها من اي تهديد محتمل، ثم تطورت الجهود العربيه لاحقا، لتتولي قوه عربيه تحت مظله جامعه الدول العربيه مهمه دعم امن الكويت بعد انسحاب القوات البريطانيه. وهكذا تحولت قضيه الاستقلال من وثيقه الي واقع، ومن اعلان الي مسؤوليه. وكان الدرس واضحا: السياده ليست كلمات تكتب، وانما حق تحميه الدوله بمؤسساتها، ودبلوماسيتها، وقدرتها علي بناء شبكه من العلاقات والتحالفات التي تصون كيانها. وقد كشفت ازمه سنه 1961 ان الكويت لم تكن دوله بالاسم فقط، بل كانت دوله قادره علي التحرك السياسي والدبلوماسي والدفاع عن حقها في الوجود والاستقلال. خامسا: رجال المرحله.. عبدالله المبارك في سنوات التحول وفي هذه الرحله لم يكن عبدالله السالم وحده في ميدان بناء الكويت الحديثه. فمن ابرز رجال مرحله التاسيس الشيخ عبدالله المبارك الصباح، الذي ارتبط اسمه ببناء اجهزه الامن والجيش والطيران، وتولي مسؤوليات مهمه في الدوله خلال سنوات التحول التي سبقت الاستقلال. وكان من الرجال الذين اسهموا في وضع اللبنات الاولي للمؤسسه العسكريه والامنيه الحديثه، وفي تعزيز قدره الدوله علي اداره شؤونها وحمايه كيانها. لكن الانصاف التاريخي يقتضي وضع دوره في سياقه الزمني الصحيح؛ فقد استقال الشيخ عبدالله المبارك من مناصبه، وابتعد عن الحياه السياسيه في ابريل 1961، اي قبل الاستقلال بنحو شهرين. ولذلك فان حضوره في قصه الاستقلال يرتبط اساسا بسنوات التاسيس والتهيئه، التي سبقت الاستقلال، لا بالمرحله الدستوريه التي جاءت بعده. وهذا يذكرنا بحقيقه مهمه: ان تاريخ الكويت لم يصنعه رجل واحد، وانما اسهم في صناعته رجال متعددون، لكل واحد منهم زمنه ودوره وموقعه في مسيره الوطن. سادسا: الاستقلال ليس نهايه الدوله.. بل بدايه مشروع جديد كان يمكن لعبدالله السالم ان يري في 19 يونيو 1961 نهايه مشروعه الكبير، لكنه لم يفعل. فالدوله المستقله تحتاج الي اكثر من السياده الخارجيه؛ تحتاج الي نظام ينظم سلطاتها، ويحدد المسؤوليات، ويحفظ الحقوق، ويضبط العلاقه بين الحاكم والشعب، ويمنح مؤسساتها اساسا قانونيا ودستوريا ثابتا. ولهذا لم يتوقف مشروع عبدالله السالم عند الاستقلال. فبعد ان اصبحت الكويت صاحبه قرارها في الخارج، كان عليها ان تنظم شؤون الحكم في الداخل. وهنا تبرز عبقريه التسلسل في مشروعه: استقلال الدوله.. ثم دستور الدوله. ولهذا صدر في 26 اغسطس 1961 المرسوم الاميري الخاص بالنظام الاساسي لفتره الانتقال واجراء انتخابات المجلس التاسيسي، الذي اوكلت اليه مهمه وضع دستور دائم للبلاد. لم يكن عبدالله السالم يريد للكويت ان تكون دوله مستقله فقط، بل اراد لها ان تكون دوله مؤسسات وقانون. ومن هنا بدات المرحله التي ستقود الكويت الي دستور سنه 1962، ثم الي الحياه النيابيه، لتدخل الكويت عهدا جديدا في تاريخها السياسي. الخاتمه: من طفل الحمايه الي رجل الاستقلال حين ننظر الي رحله عبدالله السالم كامله، ندرك ان صوره الطفل الذي عاش بدايه مرحله الحمايه، ثم اصبح الامير الذي قاد الكويت الي الاستقلال، ليست مجرد مفارقه جميله؛ انها تختصر قصه رجل ارتبط تاريخ وطنه بعمره. ولد في زمن الحمايه. وعاش تحولات الكويت. وتسلم حكمها في مرحله بناء الدوله، ثم قادها الي الاستقلال، لم يكن الاستقلال بالنسبه الي عبدالله السالم يوما في التقويم، بل كان ثمره عمر من الانتماء والعطاء وبناء الدوله. ففي 19 يونيو 1961 لم تنتقل الكويت من مرحله سياسيه الي اخري فحسب، بل فتحت بابا جديدا في تاريخها: باب الدوله التي تحكم نفسها، وتحمي سيادتها، وتصنع مستقبلها. لكن عبدالله السالم كان يدرك ان الاستقلال السياسي لا يكتمل الا بدوله يحكمها القانون. ولهذا كانت الخطوه التاليه طبيعيه في مشروعه الكبير: دستور 1962.. حين انتقل الاستقلال من سياده الدوله الي سياده القانون. وتلك هي قصه الحلقه القادمه. د. عبدالحميد خليفه الشايجي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓