قفزه تقنيه!

لا شك ان قيمه المؤتمرات لا تكمن في عدد زوارها، ولا في ضخامه مساحاتها، ولا حتي في الاسماء العالميه، التي تصعد الي منصاتها، بل حين تتحول من حدث يقام لايام الي نافذه نري من خلالها الي اين يتجه الاقتصاد، وكيف تستعد الدول والمؤسسات للمستقبل. من هنا تابعنا باهتمام النسخه الخامسه من مؤتمر «ليب» في الرياض. وبينما لم تتح لنا فرصه زيارته هذا العام، فان ما يصلنا من فعالياته واعلاناته ونقاشاته يكفي لطرح سؤال اكبر من المؤتمر نفسه: هل بدات منطقتنا فعلا الانتقال من اقتصاد يعتمد علي الوقود الاحفوري، الي اقتصاد يصنع القيمه بالعلم والمعرفه؟ ما يحدث في المملكه يقدم مؤشرات تستحق التامل. فبحسب الارقام المعلنه، نما الاقتصاد الرقمي السعودي باكثر من %75 ليبلغ 522 مليار ريال، وارتفعت الوظائف التقنيه من نحو 150 الفا الي اكثر من 400 الف، بالتوازي مع دعم رواد الاعمال وتاهيل المواهب والتوسع في التعليم التقني والذكاء الاصطناعي. وفي «ليب» هذا العام اعلن عن اطلاقات واستثمارات وشراكات تقنيه تتجاوز 15 مليار دولار. صحيح ان المال يستطيع شراء احدث الخوادم واسرع الشبكات، بيد انه لا يشتري اقتصادا معرفيا جاهزا، فهذا الاقتصاد يبني حين يجد الباحث طريقا لتحويل بحثه الي منتج، والمبتكر راس المال والسوق والتشريع، الذي يسمح له بالتجربه، وتتحول الجامعات الي مصانع للمهارات والافكار، والتقنيه الي اداه ترفع انتاجيه بقيه القطاعات. الاهم ان اقتصاد المعرفه لا يبني فقط بصناعه نماذج عملاقه، بل بتمكين الاف الشركات الصغيره من البناء فوق ما هو متاح، فنموذج مفتوح، وقدره حوسبه يمكن الوصول اليها، وبيانات منظمه، وبيئه تسمح بالتجربه، قد تختصر علي رائد الاعمال قدرا هائلا من الوقت والمال، وتحول المعرفه من اصل محتكر الي منصه للابتكار. لكن تمكين الشركات الناشئه لا يقتصر علي توفير الادوات وراس المال، بل يتطلب ايضا الانصاف في تقييم تجاربها، والا نطالبها منذ بداياتها بما لا نطلبه من الشركات العالميه الراسخه. وفي هذا السياق، استوقفنا تصريح معالي وزير الاتصالات وتقنيه المعلومات السعودي، عبدالله السواحه، خلال المؤتمر الصحافي المصاحب لـ«ليب»، حين اشار الي ان الشركات العالميه تطلق منتجات وتجربها، ثم قد تتراجع عنها او تلغيها، بينما كثيرا ما نكون اكثر قسوه في الحكم علي تجارب شركاتنا الناشئه. وقد لخص هذه المفارقه بقوله: «هم يسوونها احنا نصفق، احنا نسويها ننتقد». وهي ملاحظه في محلها، فالابتكار بطبيعته تجربه وتعلم وتصحيح للمسار، ومن لا نمنحه مساحه معقوله للفشل، لن نمنحه فرصه حقيقيه للنجاح. من وجهه نظرنا، هذا ما يجعل «ليب» مصدرا للالهام لدول المنطقه، لا نموذجا ينسخ حرفيا. فلكل دوله ظروفها واولوياتها، لكن الاقتصاد الحديث يكافئ من يحول المعرفه الي منتجات، والبيانات الي قرارات، والبحث الي ابتكار، والمواهب الي شركات ووظائف وصادرات، وما نتابعه من استثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبه السحابيه ومراكز البيانات، ونشاط متزايد للمؤسسات والشركات الناشئه في الخليج، يؤكد ان المنطقه ادركت حجم التحول. لكن المنافسه الحقيقيه ليست في التصريحات والاعلانات، بل فيما يبقي علي الارض بعدما تخفت الاضواء ويسود الهدوء. حين يصبح العلم اصلا اقتصاديا، والموهبه استثمارا، والابتكار ثقافه مؤسسيه، لن نكتفي بمتابعه المستقبل، وهو يصنع في مكان اخر، بل سنصبح جزءا من صناعته، تلك هي القفزه التقنيه المنشوده. د. ضاري عادل الحويل