اعظم قوه ان تعرف متي تتراجع.. دون ان تتنازل

نربط القوه غالبا بالثبات، ان تتمسك بموقفك، وتدافع عن رايك، وتكمل الطريق حتي النهايه، لكن مع التجربه نكتشف ان هناك نوعا اخر من القوه، اكثر هدوءا ونضجا: ان تعرف متي تتراجع، دون ان تتنازل. والفرق بين التراجع والتنازل كبير. ان تتراجع يعني ان تدرك ان استمرارك في معركه ما لم يعد يحقق شيئا، وان النقاش تحول الي استنزاف، وان العلاقه اصبحت مؤذيه، او ان الطريق الذي اخترته لم يعد يقودك الي المكان الذي تريده. اما التنازل، فهو ان تتخلي عن قيمه تؤمن بها، او حق تستحقه، فقط لان الطرف الاخر كان اكثر ضغطا او صوتا. في حياتنا الاجتماعيه، نخسر احيانا الكثير، لاننا نريد ان نثبت اننا علي حق. نستمر في جدال انتهت فائدته منذ زمن، ونحاول اصلاح علاقه استنفدت فرصها، ونشرح انفسنا مرارا لمن قرر مسبقا الا يفهمنا. وهنا يصبح التراجع حكمه. ليس ضروريا ان تكسب كل نقاش، ولا ان يكون لك الرد الاخير، ولا ان تقنع كل شخص بوجهه نظرك. احيانا يكفي ان تعرف موقفك جيدا، وتحترم موقف الاخر، ثم تمضي. فالانسحاب من جدال عقيم لا يعني انك اقتنعت، كما ان ابتعادك عن شخص لا يعني انك تكرهه، احيانا انت فقط اخترت الا تستنزف نفسك اكثر. والامر ذاته في بيئه الاعمال، من اصعب القرارات علي المدير، او صاحب العمل، ان يعترف بان مشروعا لم ينجح، او استراتيجيه لم تعد مناسبه، او قرارا اتخذ بحسن نيه، لكنه لم يحقق النتائج المتوقعه. المشكله ان البعض يربط تغيير القرار بضعف الاداره، فيستمر في الاتجاه الخطا فقط حتي لا يبدو متراجعا. لكن الاداره الناضجه لا تقيس قوتها بعدد القرارات، التي تمسكت بها، بل بقدرتها علي مراجعتها في الوقت المناسب. قد تتراجع عن مشروع، لكنك لا تتنازل عن هدفك. قد تغير استراتيجيه، لكنك لا تتنازل عن رؤيتك. قد تنسحب من مفاوضات، لكنك لا تتنازل عن مصالحك. وقد تعترف بان قرارك لم يكن الافضل، دون ان تتنازل عن مسؤوليتك كقائد، بل ان الاعتراف بالخطا احيانا اكثر شجاعه من الدفاع عنه. وفي المقابل، ليس كل تراجع حكمه. هناك حقوق لا ينبغي التفريط بها، ومبادئ لا تخضع للمساومه، وحدود اذا تنازلت عنها مره اصبح من الصعب استعادتها. لذلك فالحكمه ليست في ان تتراجع دائما، ولا في ان تتمسك دائما، بل في ان تعرف متي تفعل هذا، ومتي تفعل ذاك. الحياه ليست معركه يجب ان ننتصر في كل جولاتها، والعمل ليس اختبارا لاثبات ان قراراتنا دائما صحيحه. احيانا يكون اقوي قرار تتخذه هو ان تقول: هذا الطريق لم يعد مناسبا، ساغيره، ليس لانك هزمت، ولا لانك تنازلت، بل لانك اصبحت اكثر وعيا بما يستحق ان تتمسك به، وما يستحق ان تتركه. م. حسين محمد ارتي