المواطن.. المعيار الحقيقي لنجاح التنميه

في كل مره يعلن فيها عن مشروع جديد، تتجه الانظار الي قيمه العقد، وسرعه الانجاز، وحجم الانفاق، وعدد المشاريع التي دخلت حيز التنفيذ. وتعرض هذه الارقام باعتبارها دليلا علي نجاح التنميه. ولا شك ان المشاريع الكبري تمثل ركيزه اساسيه في بناء الدول، لكن يبقي السؤال الاهم: هل يشعر المواطن فعلا بان هذه التنميه انعكست علي حياته اليوميه؟! فالتنميه ليست سباقا في عدد المشاريع، ولا منافسه في حجم الانفاق، بل هي عمليه هدفها الاول تحسين حياه الانسان. واذا لم يلمس المواطن اثرا حقيقيا لهذه المشاريع في جوده الخدمات، وسهوله التنقل، والحصول علي السكن، والرعايه الصحيه، والتعليم، فان الارقام، مهما كانت كبيره، ستظل انجازات علي الورق اكثر منها انجازات في الواقع. في الكويت، ينظر غالبا الي التنميه من زاويه ما ينفذ من مشاريع، بينما يقل الحديث عن النتائج التي احدثتها تلك المشاريع في حياه الناس. فنجاح اي طريق لا يقاس بعدد الكيلومترات التي انشئت، وانما بقدرته علي تقليل الازدحام واختصار زمن التنقل. ونجاح المستشفي لا يقاس بعدد الاسره او مساحه المبني، وانما بسرعه حصول المريض علي العلاج وجوده الرعايه الصحيه. وكذلك المدرسه لا يحدد نجاحها بحجم المبني او حداثه مرافقه، بل مستوي مخرجاتها التعليميه، اما المشروع الاسكاني فلا يحقق غايته الا عندما يقلص سنوات الانتظار ويوفر الاستقرار للاسره الكويتيه. لقد بدات العديد من الدول المتقدمه تتبني مفهوما اكثر شمولا للتنميه، يعتمد علي مؤشرات ترتبط مباشره بالانسان، مثل مستوي الرضا عن الخدمات العامه، ومتوسط العمر الصحي، وجوده البيئه، والوقت الذي يقضيه الفرد في التنقل، والتوازن بين العمل والحياه، ومستوي الامان، وحتي الشعور بالسعاده والانتماء. فهذه المؤشرات تكشف الاثر الحقيقي للسياسات الحكوميه، لانها تقيس النتائج لا المدخلات، وتقيس جوده حياه الانسان لا حجم الانفاق. ولا يعني ذلك التقليل من اهميه المشاريع الكبري، فهي ضروره لا غني عنها لدعم الاقتصاد وتطوير البنيه التحتيه. لكن المشروع يجب ان يكون وسيله لتحقيق غايه، لا غايه بحد ذاته. فكم من مشروع كلف الملايين، لكنه لم يحقق الاثر المامول، وكم من مشروع اقل تكلفه احدث تحولا حقيقيا في حياه المواطنين. ولعل المرحله المقبله تتطلب اعاده النظر في الطريقه التي نقيس بها النجاح التنموي. فبدلا من الاكتفاء بالاعلان عن عدد المشاريع المنجزه، ربما يكون من الاجدي ان تعلن الجهات الحكوميه ايضا عن اثر هذه المشاريع علي حياه الناس: كم انخفض زمن التنقل؟ وكم تراجعت قوائم الانتظار؟ وكم ارتفع مستوي رضا المستفيدين؟ فهذه هي المؤشرات التي تمنح الارقام معناها الحقيقي. ان التنميه ليست ما يكتب في التقارير السنويه، بل ما يشعر به المواطن عندما يغادر منزله، او يراجع مستشفي، او يرسل ابناءه الي المدرسه، او ينتظر حقه في السكن. فحين تصبح حياه الانسان اسهل، واكثر استقرارا، واعلي جوده، عندها فقط تستحق التنميه ان توصف بالنجاح. ويبقي السؤال الذي ينبغي ان يرافق كل خطه وكل مشروع: هل سيشعر المواطن بثمار هذا الانجاز؟ فاذا كانت الاجابه نعم، فنحن نسير في الاتجاه الصحيح. اما اذا بقي اثر التنميه حبيس الارقام والتقارير، فسيظل السؤال مشروعا: التنميه التي لا يشعر بها المواطن.. هل هي تنميه؟. وليد ابراهيم الخبيزي