عمر مدته يوم واحد

ثمه فرق شاسع بين ان نعيش، وبين ان نمارس يوما مرسوما لنا سلفا بوصفه عيشا، حتي وان كنا نحن من رسمنا هذا العيش/القفص، وارتضيناه لانفسنا. الاغلبيه تعيش يومها ما بين استيقاظ من نوم، وعمل ما يفترض ان نعمله، وعيش لحظات عابره مع الذات او الاسره والاصدقاء، ثم العوده الي النوم، استعدادا لاستيقاظ جديد، والبدء بيوم جديد لا يعدو ان يكون امتدادا ليوم سبقه، وصوره طبق الاصل عنه. اللافت ان هذا النمط من العيش يلازمنا منذ اللحظه الاولي لدخولنا المدرسه، ويستمر معنا طوال سنوات الدراسه، ثم يلحق بنا في انتقالنا الي العمل، والزواج، وتكوين الاسره، وما نلبث ان نشيخ في حضن يوم عرفناه وعرفنا، حتي اعتاد علينا بقدر ما اعتدنا عليه، ودون ان ندرك ان عدم الخروج علي الروتين، وعدم كسر نمط حياه متكرره بائسه، انما يعني اننا نعيش عمرا طويلا بحياه يوم واحد. يعتقد البعض ان الوصول الي المال يؤمن عيشا سعيدا، انطلاقا من قدرته علي تامين مستلزمات الحياه، وصولا الي الرفاهيه. ولقد كتبت مرارا: «المال اعجز بكثير من ان يشتري سعاده، ولا محل علي وجه الارض يمكنه ان يبيع لاغني الاغنياء عشره غرامات سعاده»، وهذا هو اهم درس يمكن للعيش ان يقدمه للانسان: فالسعاده لا تقترن بمال، ولا بجاه او منصب او عمر، بل ان حقيقه السعاده تكمن في عيش لحظه فرح طازجه، عابره، بسيطه، تلقائيه، ووحدها هذه اللحظات القليله هي ما يبقي، في نهايه المطاف، من عمر طويل. يحدث ان انسانا ما، محاطا بكل رفاهيه الرخاء، يعيش مع ذلك مهموما، يكدس عمره يوما فوق يوم، وسعيا منهكا فوق سعي، ومراكمه مكانه اجتماعيه فوق مثيلتها، وتكديس ناتج علي ناتج، بعيدا عن اي عيش متجدد يهز الروح ويجدد الدماء في عروقها، عيش بعيد عما رسم لنا، وعشنا به كانه قفص، عيش نختار مكوناته من دفتر قناعاتنا، لا من كتالوج الاعتياد والسوق والاستهلاك، وكم تكون خسارتنا فادحه حين نعتاد العيش في يوم يستولد نفسه، فلا ينجب سوي نسخه منه. ان انتظار لحظه فرح/ فرج قادمه، حتي مع استحاله قدومها، هو شان انساني مقدس، فلولا هذا الهاجس، هذا الامل بما سياتي، لتدمرت حياه ملايين البشر. لكن، بين انتظار ما لا ياتي، وعيش لحظه الحياه العابره التي لا تتكرر، يمتد خيط رفيع يقول بوضوح: لك ان تنتظر ما شاء الله لك ان تنتظر، ولك ان تختار عيشا اخر. فرق كبير وشاسع بين ان تعيش خادما مخلصا ومطيعا يلبي متطلبات نفسه، وبين ان تخلق عيشا تحلم به، وهو ذاته الفرق الشاسع بين ان نعيش، وان نبقي علي قيد الحياه. طالب الرفاعي