احياء الطبقه المنتجه

عندما انتقل اهل الكويت من عصر الغوص والسفر الي عصر النفط، اثر الشيخ عبدالله السالم، رحمه الله، ان تصل خيرات الثروه النفطيه الي اهل الكويت، فعاش الشعب في بحبوحه من العيش، ولا سيما بعد مرحله التثمين والتوسع في التوظيف الحكومي. غير ان هذا التحول كان له اثر مباشر واستراتيجي لم يكن ظاهرا في حينه، وهو انحسار الطبقه الكويتيه العامله في المهن الحرفيه والفنيه. فصرنا ناتي بهذه العماله من الخارج؛ فعامل البناء لم يعد كويتيا، ومصلح التكييف باكستاني، والسائق هندي، والميكانيكي سوري، وهكذا في كثير من المهن. وهذه الاعمال، في حقيقتها، ذات مردود مالي جيد جدا، الا ان طبيعتها القاسيه علي البدن، الي جانب ما وفرته الدوله للمواطن من وظيفه مستقره ومزايا اجتماعيه، جعلتها غير مرغوبه لدي كثير من الكويتيين، او بالاحري لم تعد هناك حاجه اقتصاديه تدفعهم اليها. ومع تمنياتنا باستمرار دوله الرفاه، فان الواقع يقول ان هذا النموذج قد لا يستمر بالصوره ذاتها الي الابد. فما نراه اليوم من عجوزات سنويه في ميزانيه الدوله، الي جانب انتظار بعض الخريجين سنوات للحصول علي الوظيفه الحكوميه، يجعل استمرار النهج الحالي غير مجد علي المدي البعيد، ويستدعي تغييرا في الفكر الاقتصادي للدوله ليكون اكثر اعتمادا علي المبادره والانتاج، دون التخلي عن مسؤوليه الدوله في رعايه الطبقات الضعيفه. ان امام حكومه الكويت تحديا اقتصاديا كبيرا، ولعل اكبر عثراته ملف التوظيف الحكومي وما يرتبط به من بند الاجور. فمنذ سني الجامعه وانا اسمع اساتذه الاقتصاد يحذرون من مشكله قادمه اذا استمر الوضع كما هو عليه دون معالجه جذريه. وها نحن اليوم امام مواجهه صريحه مع تلك المشكله، وحلها يحتاج من الشعب الي الجلد والصبر، ومن الدوله الي نظره استراتيجيه بعيده المدي هدفها استدامه الدوله ورفاهيه اجيالها القادمه، لا الاكتفاء بحلول مؤقته اشبه بالابر المخدره التي تؤجل المشكله ولا تعالجها. ومن الافكار التي اقترحها للمساهمه في معالجه هذه المشكله ان يخير المواطن، ضمن ضوابط مدروسه، بين الوظيفه العامه وبين الانتفاع باحد اصول الدوله ذات الطبيعه الانتاجيه؛ كالمزرعه او الجاخور او الارض الصناعيه، بحيث لا يجمع الشخص بين وظيفه حكوميه مستقره وبين ارض من املاك الدوله منحت له اصلا لغرض اقتصادي وانتاجي. فمن شان ذلك ان يزيد تركيز المزارع علي مزرعته، والصناعي علي مصنعه، وصاحب الجاخور علي نشاطه، وكما يقول المثل الكويتي: «راعي بالين چذاب». ومن هذا المنطلق، يصبح امام المتقدمين الجدد للوظائف الحكوميه خيار اخر: ان يجربوا حظهم في المشاريع الخاصه والانتاجيه. ولا ينبغي ان يقتصر دور الحكومه هنا علي توزيع الاراضي، بل عليها ان تتحول من مجرد مانح للارض الي موجه للنشاط الاقتصادي. ففي القطاع الزراعي مثلا، يمكن للدوله تحديد المحاصيل التي يحتاج اليها السوق المحلي، وتوجيه المزارعين اليها، وتسهيل بيع الانتاج من خلال الجمعيات التعاونيه والاسواق المركزيه، مع تقديم الحوافز والدعم المرتبط بحجم الانتاج وجودته. وينطبق الامر ذاته علي الجواخير وتربيه الماشيه، بحيث تكون هناك سياسه واضحه مبنيه علي البيانات: كم يبلغ الاستهلاك السنوي من رؤوس الضان؟ وكم نستورد؟ وكم نحتاج الي انتاجه محليا؟ ثم توجه الحيازات والدعوم لتحقيق اهداف محدده للامن الغذائي، بدلا من ان تصبح الجواخير مجرد اراض للانتفاع الشخصي. اما الاراضي الصناعيه، فالدوله تمتلك من خلال بيانات الجمارك والمبيعات والاستيراد القدره علي معرفه احتياجات السوق، من اصغر الصناعات كالمسمار وقطع الغيار، وصولا الي المعدات والمكائن. ومن هنا يمكن وضع خريطه صناعيه تحدد السلع الاساسيه التي تستطيع الكويت انتاجها محليا، ثم توجيه الاراضي الصناعيه والحوافز نحوها تدريجيا لتقليل الاعتماد علي الخارج. واقترح كذلك الاستفاده من تجارب طبقت في قطاعات اخري، كاشتراط وجود صيدلي كويتي ضمن متطلبات بعض الانشطه الصيدلانيه، وتطوير فكره مشابهه في المهن الفنيه. فلماذا لا يكون للفني الكويتي، ولا سيما خريج الهيئه العامه للتعليم التطبيقي والتدريب، دور اساسي في ترخيص الانشطه المرتبطه بتخصصه؟ فمثلا يمكن ان يشترط في كل كراج او ورشه ميكانيكيه وجود ميكانيكي كويتي مؤهل ومسجل فعليا في النشاط، مع وضع ضوابط تمنع ان يكون وجوده صوريا. كذلك ينبغي التوسع في دعم العماله الوطنيه في المهن الفنيه والحرفيه. فمن الناحيه الماليه، حتي لو دفعت الدوله جزءا من دخل المواطن العامل، فانها في المقابل تخفف عن نفسها جزءا كبيرا من تكلفه توظيفه مدي الحياه في الجهاز الحكومي. والهدف في النهايه ليس ان يعود الكويتي الي ظروف العمل الشاقه التي عاشها اجداده، وانما ان نعيد الي المجتمع ثقافه العمل والانتاج والحرفه، وان يصبح من الطبيعي مره اخري ان نري المزارع والميكانيكي والفني والصناعي الكويتي، كما نري الطبيب والمهندس والموظف الحكومي الكويتي. ** خلال زيارتي الاخيره لهولندا، وبينما كنت اسير في ضواحي مدينه دن هاق الجميله، لفت انتباهي امر يستحق التامل: فالذي يبني الابراج هولندي، والذي يرمم البيوت هولندي، والذي يعمل في المزارع والمصانع والورش ويؤدي كثيرا من الاعمال الفنيه والحرفيه هو ايضا من ابناء البلد. ولم يمنع ذلك هولندا من ان تكون دوله ذات اقتصاد قوي، وشركات عالميه كبري، وقطاع لوجستي متقدم، ومكانه دوليه بارزه. كما لم يمنع ذلك شعبها من الاستمتاع بالحياه والايمان بحريه الفرد وحقوقه ومن تقبل الاخر. عبدالرحمن وليد بن سلامه