الرجل الذي افرغ خزائن الحرس الثوري

في مكتب هادئ بواشنطن، يدير وزير الخزانه الامريكي سكوت بيسنت معركه غير تقليديه اطلق عليها اسم «الغضب الاقتصادي»، تنفيذا لسياسه «اقصي الضغط» التي تبناها الرئيس الامريكي دونالد ترامب تجاه الشبكه الماليه الايرانيه، من دون ان يطلق رصاصه واحده او يقود جيشا في الميدان. ومع ذلك، بدا اثر خطته جليا في واقع ايران خلال صيف 2026: تاخر رواتب الحرس الثوري لشهر كامل، وتعثر رواتب «الوحدات الخاصه» المكلفه بقمع الاحتجاجات في الشارع ثلاث مرات متتاليه، وحرمان متقاعدين وجنود من الجيش النظامي من مستحقاتهم لشهرين. لم يخف بيسنت لهجته الحاده في وصف الحال الايرانيه، اذ وصف الاقتصاد بانه «يترنح» والجيش بانه «منهك». كما اشار الي ان البنك المركزي الايراني بات عاجزا ماليا ويلجا الي طباعه النقود، في خطوه تنذر باقوي موجه تضخم تشهدها البلاد في تاريخها. ميدانيا، تمكن فريق بيسنت من تفكيك شبكات ماليه لم تكن مدرجه اصلا علي قوائم العقوبات السابقه، ابرزها امبراطوريه «الصرافه الظليه» التابعه لاحد رجال الاعمال حاصل علي الجنسيه البريطانيه، والتي غسلت مليارات الدولارات عبر محال صرافه وهميه، قبل ان يتكشف ارتباطها بشبكه «زندشتي» المتهمه بالتخطيط لهجمات داخل بريطانيا، لينتقل الملف من قضيه عقوبات ماليه الي تهديد امني مباشر علي الاراضي البريطانيه. كذلك جري الشهر الماضي تفكيك شبكه رجل الاعمال اخر اسس بنفسه منصتين للعملات الرقميه مسجلتين في بريطانيا، واستخدمتا لتمرير اموال الي الحرس الثوري، اذ قدرت شركه «تي ار ام لابز» حجم الاموال الممرره عبرهما بنحو مليار دولار، كانت حصه الحرس الثوري منها 87 في المئه. كما كشف الفريق عن شركتين ايرانيتين كانتا تبتزان السفن العابره في مضيق هرمز تحت غطاء «تامين بحري» اجباري، بحمايه مباشره من الحرس الثوري. ولم تتوقع طهران ان تصل حده الملاحقه الماليه الي هذا المستوي من الكثافه والسرعه، اذ بات مكتب مراقبه الاصول الاجنبيه الامريكي يصدر عقوبات جديده كل اسبوعين، بوتيره لم تشهدها ايران من قبل، حتي انه كل محاوله ايرانيه للتهرب كانت تفاجا ببصمات ترامب فيها. تشير التقديرات الي ان سعر الدولار الامريكي بلغ 1.8 مليون ريال ايراني، بينما اقترب معدل التضخم الرسمي من 88 في المئه. وداخل بنك «سپه»، المسؤول عن صرف رواتب الجيش والحرس الثوري، اندلعت ازمه سيوله حقيقيه بلغت حد الصراع العلني بين قاده امنيين تبادلوا الاتهامات حول من يستحوذ علي الموارد الشحيحه المتبقيه. وفي موازاه الضغط المالي، خلف القصف الامريكي لمجمع «جنوب فارس» البتروكيماوي، الذي كان يوفر نحو نصف الانتاج البتروكيماوي الايراني، خسائر تقدر بسبعين مليار دولار من الاستثمارات، قد تحتاج طهران عقدا كاملا لاعاده بنائها. وباتت انقطاعات الكهرباء والماء والوقود عن طهران والمدن الكبري واقعا يوميا، بعدما توقفت محطه تحليه مياه في جنوب ايران عقب ضربه مباشره، ما تسبب بانقطاع مياه الشرب عن عشرين قريه. ومع ذلك، لم تحسم المعركه بعد؛ فمفاوضات اعاده فتح مضيق هرمز لا تزال مشلوله، فيما تتحدث تقديرات امريكيه عن كلفه تقارب 210 مليارات دولار تكبدها الاقتصاد الامريكي من جراء هذه المواجهه، اضافه الي استنزاف في مخزون الصواريخ يفوق ما كان متوقعا. ويبقي السؤال مفتوحا: هل يكفي هذا الانهيار الاقتصادي، وهذا الجيش الذي بلا رواتب، لاسقاط نظام عمره 47 عاما من الداخل؟ ام ان التاريخ سيعيد نفسه، فينحني النظام ويضعف من دون ان ينكسر؟ د. محمد الوهيب