تهريب التموين.. دليل اخر علي ضروره تقنين الدعم

في 26 مايو الماضي، نشرت في القبس مقالا بعنوان «الدعم الحكومي.. عداله توزيع ام اهدار للموارد؟»، دعونا فيه الي اعاده النظر في اليه الدعم الحكومي والانتقال تدريجيا من الدعم الشامل الي الدعم المستهدف، بحيث تصل اموال الدوله الي من يحتاجها فعلا، بدلا من استفاده الجميع منها بالقدر نفسه، بغض النظر عن اختلاف مستويات الدخل والقدره الماليه. واليوم، وبعد مرور نحو ثلاثه اشهر، جاءت الضبطيات المتكرره لمحاولات تهريب المواد التموينيه المدعومه الي خارج الكويت لتضيف بعدا اخر الي القضيه، وتؤكد ان مراجعه منظومه الدعم لا تتعلق فقط بترشيد الانفاق العام، وانما ايضا بحمايه الدعم من الاستغلال وتحويله الي تجاره غير مشروعه. فما كشفته القبس، اخيرا، من احباط محاوله تهريب كميات كبيره ومتنوعه من المواد التموينيه داخل شاحنات نقل تجاري متجهه الي خارج الكويت، وما سبقها من ضبطيات خلال 2025 و2026، يكشف ان المساله لم تعد تقتصر علي محاولات فرديه لاخراج بعض السلع عبر المنافذ، وانما ظهرت في بعض الحالات اساليب اكثر تنظيما تشمل تجميع المواد وتخزينها واعاده تعبئتها ونقلها، وصولا الي محاوله تصديرها. ومن هنا يعود السؤال الذي طرح في السابق: هل من المنطقي ان يحصل من لا يحتاج الي الدعم علي السلع التموينيه المدعومه نفسها التي يحصل عليها المواطن الذي يعتمد عليها في تامين احتياجات اسرته؟ وقد اشرت في ذلك المقال الي ان بعض الاسر الكويتيه ذات الدخل المرتفع قد لا تكون في حاجه فعليه الي كامل الكميات التي تحصل عليها من المواد التموينيه، وقد تهمل بعضها او تمنحها للعماله المنزليه لديها. وقد تقوم بعض العماله بدورها ببيع هذه المواد في السوق، لتدخل بعد ذلك في سلسله من عمليات التجميع واعاده البيع، وقد تنتهي بعض هذه السلع الي جهات تقوم بمحاوله تصديرها الي خارج البلاد. وبالتاكيد، لا يعني ذلك اتهام الاسر الكويتيه او العماله المنزليه بصوره عامه، فالغالبيه ملتزمه بالانظمه والقوانين، وانما الاشاره الي ثغره محتمله في منظومه الدعم يمكن ان يستغلها البعض، فمتي ما كان هناك فارق كبير بين سعر السلعه المدعومه وسعرها الحقيقي او سعرها في الاسواق الخارجيه، يصبح هذا الفارق حافزا للمتاجره بها. وهنا يتحول الدعم، الذي صمم اساسا لتحقيق هدف اجتماعي، الي فرصه لتحقيق ربح غير مشروع. وتزداد اهميه هذه المساله عندما ننظر الي حجم الانفاق الحكومي علي الدعم الغذائي. فوفق ما اوردته القبس، بلغ الدعم المقدم للمواد الغذائيه خلال النصف الاول من عام 2026 نحو 77.51 مليون دينار، بما يمثل نحو 54 في المئه من الدعم المصروف خلال تلك الفتره. هذه اموال عامه خصصت لتحقيق هدف واضح: توفير السلع الاساسيه باسعار مناسبه للمواطنين. ولذلك فان تسرب هذه السلع الي السوق التجاريه او تهريبها الي الخارج يعني ان جزءا من الدعم قد خرج عن الغايه التي انفق من اجلها. ومن هنا، فان الحل لا ينبغي ان يقتصر علي تشديد التفتيش في المنافذ، رغم اهميه الدور الذي تقوم به الجهات الرقابيه والجمارك في احباط عمليات التهريب. المطلوب هو معالجه المشكله من جذورها، والبدء من طريقه تحديد المستفيد من الدعم. وقد يكون من المناسب اعاده دراسه نظام البطاقه التموينيه بحيث يرتبط مستوي الدعم بدرجه الحاجه الفعليه للاسره، مع الاستفاده من قواعد البيانات الحكوميه المتاحه لتحديد مستوي الدخل والقدره الماليه، بدلا من استمرار الدعم بالاليه نفسها لجميع المستفيدين. كما يمكن دراسه تحويل جزء من الدعم السلعي الي دعم نقدي او مخصص مالي مباشر للاسر المستحقه، مع استمرار الدعم العيني للسلع الاساسيه التي تري الدوله ضروره ابقاء اسعارها مدعومه، وبما يضمن عدم تحميل الاسر محدوده الدخل اعباء اضافيه. وفي المقابل، فان التحول الي دعم اكثر استهدافا يجب ان يترافق مع رقابه رقميه فعاله. فربط بيانات الصرف ودراسه انماط الاستهلاك يمكن ان يساعد في اكتشاف الحالات غير الطبيعيه، وتتبع حركه السلع، وكشف عمليات التجميع واعاده البيع قبل ان تصل الي مرحله التهريب عبر المنافذ. ان ما يحدث، اليوم، يؤكد ان قضيه الدعم الحكومي ليست مجرد مساله ماليه، وانما هي قضيه عداله اجتماعيه وحمايه للمال العام. لقد دعونا في المقال السابق الي تقنين الدعم، لان العداله لا تعني ان يحصل الجميع علي الشيء نفسه، وانما ان يحصل المحتاج علي الدعم الذي يحتاجه، وان توجه موارد الدوله الي اهدافها الحقيقيه. واليوم، تضيف ضبطيات تهريب التموين سببا جديدا لهذه الدعوه: ان نحمي الدعم من ان يتحول الي تجاره، وان نحمي المال العام من ان يتحول الي ربح خاص. فالدعم الحكومي وجد لحمايه المواطن المستحق، وليس لتمويل سوق موازيه او دعم تجاره التهريب. واذا كنا نريد ان يستمر الدعم ويصل الي مستحقيه، فعلينا ان نقننه اولا، ونحميه من الاستغلال، ونضمن ان كل دينار تنفقه الدوله يحقق الغايه التي خصص من اجلها. وليد ابراهيم الخبيزي