لو لم تكن اسرائيل موجوده!

ماذا لو لم تكن اسرائيل موجوده؟ هل كان الشرق الاوسط اكثر استقرارا ام ان به مقومات صراع وحروب يكون معها الاستقرار نسبيا ومرحليا. كيف كان ممكنا ان يبدو الشرق الاوسط لو لم تنشا دوله الكيان الصهيوني في عام 1948؟ لا شك بان السيناريوهات هنا متعدده والاحتمالات كثيره فلنبحر بها افتراضيا. ربما كان الافتراض الاول ان فلسطين كانت ستبقي دوله ذات كيان مستقل ويقطن فيها اقليه يهوديه، فالهجره اليهوديه هنا مرتبطه باعتبارات عقائديه لا تقل اهميتها عن السياسي منها، خاصه بعد الحرب العالميه الثانيه، فغياب اسرائيل هنا لا يعني ان المساله اليهوديه وارتباطها بمنطقه الشرق الاوسط قد انتهت، بل هي رحله تعود بالتاريخ الي حقبه البابليين والاشوريين والفراعنه، وفكره ارض اسرائيل هي فكره راسخه في العقيده والتقاليد اليهوديه، والطقوس اليهوديه تتناول الادعيه الي عوده صهيون عبر مراحل الشتات التي مر بها اليهود، واستيطان اليهود عبر التاريخ وفي مناطق عده داخل فلسطين، مثل القدس والخليل وصفد وطبريه، كان بامكانه ان يخلق صراعا قوميا وعقائديا مع العرب لو لم تنشا اسرائيل ويتحول الصراع معها الي صيغه سياسيه مموهه، لكنها في حقيقه الامر تعود بجذورها الي مطامع عرقيه وعقائديه موغله في التاريخ. لو لم تكن هنالك اسرائيل لما حدثت حروب 1948، 1956، 1967، 1973، لكن ربما استمرت الانتفاضات ضمن اطار الصراعات الدينيه والقوميه والمذهبيه، فوجود ونشاه اسرائيل خلقا واحدا من اكبر محاور الصراع في منطقه الشرق الاوسط، الذي تحول بفعل هذا الوجود الي منطقه اكثر عسكريه واشتعالا وصراعا. لو لم تكن هنالك اسرائيل لما شكل هذا العدو المشترك دافعا لقيام حركات تحرر عربيه، ونشاه الحركات القوميه العروبيه واليساريه وهي – اي حركات التحرر والمد القومي – تعود بجذورها الي ما قبل 1948، اي الي ما قبل نشاه اسرائيل، حيث شهدت تطورا في عهد الدوله العثمانيه وبعد الحرب العالميه الاولي، الا ان قيام اسرائيل قد حول تلك الحركات من نشاطها الثقافي والسياسي النخبوي، الي مشاريع تعبئه للجماهير واستنهاض للشعوب، فبينما كانت فكره القوميه العربيه قبل 1948 تتلخص في الهويه العربيه ومشروع التحرر من نفوذ وهيمنه الدوله العثمانيه، اصبح العدو المشترك بعد 1948 قضيه مركزيه عززت من مشروع الوحده العربيه، والذي تم اجهاضه في ما بعد من قبل اسرائيل وبمساعده الغرب، نظرا لما كان يشكله مثل هذا المشروع من خطر مباشر علي وجود الكيان الصهيوني، وعلي المصالح الغربيه في المنطقه. لو لم تكن هنالك اسرائيل ككيان سياسي مغتصب لاراض عربيه، لم تكن المنطقه بالضروره ستعيش في سلام دائم، فغياب اسرائيل لا يعني غياب الصراع في الشرق الاوسط، بل يعني غياب نوع محدد ومركزي من الصراع، فالشرق الاوسط يحمل مجموعه من مقومات الصراع، تداخلت فيه طبيعه المنطقه العرقيه والطائفيه مع اطماع الاستعمار الاوروبي ودول اقليميه مثل ايران، الي جانب اهميه المنطقه استراتيجيا وحيويا بما تحوي من ممرات ومعابر وثروات ونفط وغاز وطرق تجاريه، نري ابعادها واثرها في الحرب الراهنه، والتي شكل قيامها ازمه دوليه بسبب واحد فقط من ممرات هذه المنطقه الحيويه. لا يعني ما سبق ان هنالك تقليلا من اثر وجود ونشاه الكيان الصهيوني علي امن منطقه الشرق الاوسط واستقرارها، فالمكونات البنيويه للصراع في الشرق الاوسط، تحولت مع نشاه الكيان الصهيوني الي حروب مفتوحه، وصراعات دائمه، وتدخلات دوليه وعسكريه، وسباق تسلح، وانتهاكات انسانيه، واحتلال، وتدخلات خارجيه لحمايه وجود هذا الكيان الشاذ والمغتصب. قد لا يشكل غياب اسرائيل غيابا للصراع في منطقه الشرق الاوسط، لكن قيامها بلا شك قد وسع نطاق مثل هذا الصراع، واضاف اليه بعدا قوميا وعرقيا وعقائديا وتاريخيا معقدا، سلب الشرق الاوسط امنه وامانه واستقراره، وجعله ساحه مفتوحه للجميع، ودفع الكيان الصهيوني لانتهاك ادني مقومات الحقوق البشريه، فوجود اسرائيل، والصراع الذي نشا حولها واستمر معها، اصبحا من اكبر العوامل التي ساهمت في تقويض الامن والحقوق الانسانيه في الشرق الاوسط، لذلك لو لم تكن اسرائيل موجوده لكان احتمال السلام والاستقرار في المنطقه اكبر بكثير.