فكر معيب

كعادته في اثاره الجدل، قام الرئيس الامريكي ترامب بنشر منشور اعلامي، يظهر صورته مع زوجته في ملابس رسميه، في مقابل صوره مرشح الحزب الديموقراطي عبدالرحمن السيد مع زوجته المحجبه بملابس عاديه اثناء وجودهما في احد المطاعم، معلقا علي الصوره باننا امام امريكتين مختلفتين! وقد اثارت الصوره ردود فعل كثيره متباينه في الشارع الامريكي بين مؤيد ومعارض للمقارنه، التي نشرها الرئيس الامريكي، فالمؤيدون يرونها تعبيرا عن الفارق الثقافي والقيمي الذي يجب مواجهته، حتي تحافظ امريكا علي نقائها وفق زعمهم، واما المعارضون للمنشور فاعتبروا النشر صوره من صور الاستغلال الانتخابي السلبي، الذي يوجه الراي العام نحو كراهيه واثاره الخوف نحو الاخر، وتعميق الانقسام الاجتماعي. ما قام به الرئيس الامريكي، من خلال المنشور المثير للجدل، لا يعد تصرفا استثنائيا الزمته ظروف انتخابات الكونغرس الامريكي، وانما ياتي ضمن العديد من التصرفات والمواقف، التي تعكس طبيعه الفكر، الذي يسود في الكثير من المجتمعات الغربيه علي وجه التحديد، وربما في مجتمعات اخري حول العالم، فملف «جزيره ابستين»، وما اثير بشانه من جدل قائم، احد صور هذا الفكر، والموقف الداعم للصهاينه، رغم القتل والاجرام والتدمير لاهالي غزه وفلسطين، من تجليات هذا الفكر، اضافه الي ما يقوم به عدد من قاده الغرب وغيرهم من تجاهل للمحكمه الجنائيه الدوليه والمنظمات الدوليه، والسعي الي نقض اركانها، واستبعاد ادوارها في تنفيذ الاتفاقيات الدوليه المعنيه بحقوق الانسان. ما يواجه العالم من تداعيات الفكر القيادي في عدد من دول العالم الغربي، من اقصاء والغاء للاخر، وتغليب مفهوم القوه علي العداله، والاستهانه بقيم وثقافه الشعوب، والابتعاد عن القيم الاخلاقيه، وتجاهل الاتفاقيات الدوليه بين الشعوب، والتوسع وتغليب نهج الحرب علي السلم الدولي، يتطلب ان تتم مواجهته والتصدي له من كل دول العالم علي مستويات القاده والمفكرين والنخب والمنظمات الدوليه وجماعات الضغط الاجتماعيه والسياسيه، فالصمت او التجاهل او عدم اعطاء هذا الفكر القراءه الصحيحه لخطورته وتداعياته السلبيه علي العالم، من شانه ان يؤدي الي تمكين هذا الفكر عالميا، وما يلحق ذلك من خراب ودمار وتخلف وتراجع لكل القيم الاخلاقيه، وتدمير لما بنته الحضاره الانسانيه. يقول المفكر ويل ديورانت، مؤلف كتاب «قصه الحضاره»: «لا تهزم الحضاره العظيمه من الخارج حتي تدمر نفسها اولا من الداخل»، اي ان سقوط الامه يبدا عندما تتفكك اخلاقيا واجتماعيا من الداخل، ولنا في التاريخ عبره ومثال، فالباحثون في التاريخ يحكون ان احد الاسباب الرئيسه لسقوط الامبراطوريه الرومانيه راجع الي تفشي الفساد، وتراجع مفهوم المواطنه، والابتعاد عن مفهوم العدل، وليس بعيدا ما حصل في الاندلس من سقوط وانهيار بسبب تفكك الجبهه الداخليه، وانغماس اهل الاندلس في التجاوزات الاخلاقيه، فتفككت الدوله وسهل اجتياحها وانهاء وجودها. وفي مقابل الانهيار، نضرب مثالا للتقدم، حيث يؤكد المراقبون ان احد اسباب تقدم الصين، التي نراها حاليا قوه عظيمه لا يستهان بها سياسيا واقتصاديا، يرجع الي ما قام به الحزب الشيوعي في منتصف القرن الماضي من حرب عشواء ضد المخدرات والانفلات الاخلاقي والتفكك الاجتماعي، فادي ذلك الي تماسك المجتمع الصيني وتوجيهه نحو الانتاج الايجابي. لقد جاء الاسلام بفكر يقوم علي عدد من المبادئ العليا النبيله، التي توجه المجتمع العام نحو التحضر والتقدم، من خلال تبني محاسن الاخلاق. قال رسول الله، عليه الصلاه والسلام: «انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق»، ومن المبادئ الرئيسه التمسك بالعداله في اداره الدول والمجتمعات والعلاقات بين الاطراف، قال تعالي: «ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظكم به ان الله كان سميعا بصيرا» (النساء: 58). ومن خلال هذين المبداين وغيرهما من المبادئ النبيله، تنهض المجتمعات وتقوم وتتقدم وتزدهر، وبخلافها ياذن الله بالتراجع والخراب والتخلف. د. محمد حسين الدلال