مؤلف يتكلم بلساني

ديفيد ابستين صحافي امريكي ومؤلف كتاب «وسع مداك» الذي صدر بترجمه عربيه عن دار التنوير. وهو كتاب اجتماعي طريف ومفيد، ويتضمن نصائح، قد تكون قيمه، خاصه لمن يجهدون انفسهم كثيرا في سعيهم للبحث عن الافضل، والاكمل والاحسن. يمكن معرفه موضوع الكتاب من عنوانه الفرعي «لماذا ينجح اصحاب المعارف العموميه في عالم يزداد ميلا الي التخصص»؟ وهذا يتسق مع مقوله: Jack of all trades, Master of none، وتعني ان تكون ملما باداء عشرات المهام، بصوره مرضيه، افضل من التخصص في مهاره واحده. بالرغم من السلبيه التي تتصف بها المقوله الا انها في الحقيقه جيده، وتنطبق علي الكثيرين، وخاصه الناجحين في حياتهم. فنحن جميعا نتعامل مع اشخاص من مختلف الخبرات، لكن عندما نكون بحاجه لراي متخصص فاننا عاده ما نبحث عن افضل محام او طبيب او مدير اداره ثروات، ولا نرضي غالبا باقل من ذلك. لاحظت، من تجاربي وخبراتي المصرفيه، ان الاكثر نجاحا في الحياه، دون الدخول في ما يعنيه النجاح، هم الذين يعرفون الشيء القليل، نسبيا، عن عشرات الامور الحيويه، مقارنه بمن يعرفون الكثير جدا عن حقل او نشاط معين. فعندما يخرج هذا الاخير من مجال تخصصه، المهم والعميق، نجده غالبا اقرب للشخص الساذج. فكره كتاب ابستين المركزيه تتركز علي تفنيد اعتقاد سائد بان النجاح يتطلب التخصص المبكر والتدريب المكثف في مجال واحد منذ الصغر، وضرب مثال لاعب الغولف العالمي «تايغر وودز»، الذي جعله والداه ماهرا في اللعبه، فاتقنها، لكنه اثبت فشلا في امور الحياه الاخري، ولم يكن سعيدا، بشكل عام، بعد ان تورط في اخفاقات عده، نتيجه تركيز اهتمامه علي اللعبه التي اتقنها جيدا، وبالتالي فان التخصص المبكر هو الاستثناء لا القاعده. لذا نجد ان انجح الرياضيين والفنانين والموسيقيين والمخترعين والعلماء، لديهم جميعا تقريبا «مدير» او اكثر يهتم بشؤونهم، وليعوض «نقص الخبرات» لديهم. وبالتالي فاننا عندما نوسع مداركنا عن امور كثيره، ونبتعد عن التخصص الضيق، فاننا في الحقيقه نهيئ انفسنا لمواجهه ما لا يمكن التنبؤ به. يدعي المؤلف انه تيقن بان التنوع في الخبرات يمكن ان يعزز الابداع والابتكار، ويشجع علي التفكير النقدي وحل مشاكل الحياه بشكل فعال، وامتلاك قدره افضل للتكيف مع عالم سريع التغير. وقد يكون التخصص الضيق عائقا امام التاقلم، خاصه مع ايه مستجدات. يطمئن «ابستين» كل من شعر يوما بانه شتت جهوده في معرفه القليل عن امور كثيره بدلا من معرفه الكثير عن امر ما، خاصه واننا نعيش في عالم معقد وسريع التغير، وهو عالم لا يكافئ غالبا المتخصص، بقدر ما يكافئ من لديه القدره علي ربط مجالات مختلفه بعضها ببعض. فاذا كنت غالبا ما تسترشد في اتخاذ قراراتك بالبحث عن الافضل، كما يفعل الكثيرون، فاننا نتصرف بطريقه خاطئه تماما، وقد نصبح بالتالي اقل سعاده بسبب ذلك. ففي عصر وفره المعلومات والخيارات، نفترض اننا نستطيع ايجاد الافضل في كل شيء، اذا بحثنا مطولا وبجد، ويطلق علماء النفس علي هذا الميل اسم «التعظيم».. لكن ثبت ان البحث عن الافضل هو هدف خاطئ. فهو ليس سهلا، ومكلف ماديا ومعنويا، وهذا ما ينسي معظم الناس اخذه في الحسبان، كما اثبت «هربرت سيمون»، رائد الذكاء الاصطناعي وعالم النفس المعرفي، والحائز جائزه نوبل في الاقتصاد، من ان معظم القرارات، لا يستطيع البشر تقييم الخيارات المتاحه تقييما دقيقا، بسبب كثرتها الهائله، ونقص معلوماتنا، وعدم تهيؤ عقولنا لتقييم جميع الخيارات، لذا نلجا الي اختصارات ذهنيه. وبالتالي قام سيمون بصياغه مصطلح «الاكتفاء»، وهو مزيج من كلمتي «ارضاء» و«يكفي»، لوصف كيفيه نظرتنا في مجموعه محدوده من الخيارات، ثم اختيار خيار مناسب والمضي قدما في حياتنا، دون الحاجه للتفكير العميق وتضييع الجهد والوقت للتيقن بانه الاختيار الافضل. لذا يميل الشديدو الطموح «للافضل» لان يكونوا اقل رضا عن قراراتهم وحياتهم. فهم عاده اقل سعاده، واكثر عرضه للندم، واكثر ميلا لمقارنه انفسهم بالاخرين بلا نهايه. اما المكتفي بالحد الادني، فلا يعني بالضروره ان معاييره متدنيه. فمعياره يكون عاده «جيدا بما يكفي» بدلا من «الافضل علي الاطلاق»، وهذا ما يجعلهم يشعرون بالرضا عن خياراتهم، بدلا من ان يطاردهم ندم علي خيارات لم يتخذوها. احمد الصراف