الاب والابن.. نموذجان جميلان لروح المبادره والتميز

تميز المجتمع الكويتي منذ القدم بروح المبادره والمسارعه الجاده الي كل ما يعود بالنفع علي وطنهم ومواطنيهم، وقد ساعدهم علي ذلك روح التميز والرغبه الاكيده في تحقيق النجاح عند الكثيرين منهم، ولله الحمد والمنه، فلم يكن اهل الكويت ينتظرون من يدعوهم الي عمل الخير او يحثهم علي خدمه مجتمعهم، بل كانت المبادره جزءا اصيلا من شخصياتهم، وسمه بارزه في سلوكهم اليومي، سواء في البحر او البر او التجاره او العلاقات الاجتماعيه القائمه فيما بينهم، كما عرفوا بالتميز والاتقان وتحمل المسؤوليه والتعاون المثمر فيما فيه المصلحه العامه وعموم الخير علي الجميع. ومن النماذج الكويتيه الطيبه التي تجسدت فيها هذه المعاني الجميله العم مبارك حمود الهويدي وابنه العم حمود، رحمهما الله تعالي، وقد روي لي شخصيا هذه المواقف الاخ الفاضل سالم مبارك حمود الهويدي (بو شملان)، حفظه الله تعالي، وقد استخلصنا من بين طياتها هذين الموقفين الجميلين: الموقف الاول: زياره امير البلاد الراحل سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح في عيد الفطر المبارك. ومن ابرز ما جاء فيه: «في عام 1951، وفي مناسبه عيد الفطر المبارك، طلب العم مبارك حمود الهويدي من ابنه حمود، رحمهما الله تعالي، الاستعداد لمرافقته الي زياره سمو امير البلاد، انذاك، صاحب السمو الشيخ عبدالله السالم الصباح، رحمه الله تعالي، حيث جرت عاده اهل الكويت الكرام في مثل هذه المناسبات الدينيه والاجتماعيه، كالاعياد وغيرها من المناسبات العامه، زياره الحاكم، لتقديم التهاني والتبريكات، في صوره تعكس عمق العلاقه بين القياده والشعب. استعد العم حمود لهذه المناسبه خير استعداد، وجهز السياره استعدادا للذهاب مع والده، الا ان العم مبارك اعتذر في اللحظات الاخيره عن الذهاب لظرف طارئ الم به، وطلب من ابنه العم حمود ان يذهب وحده ممثلا للاسره والعائله الكريمه، وان يبلغ امير البلاد سلام والده وجميع افراد العائله كثير السلام. امتثل العم حمود لامر والده، وتوجه بمفرده الي القصر، مقر اقامه الحاكم، رغم صغر سنه، ووقف بين جموع المهنئين من اهل الكويت الذين اصطفوا للسلام علي الامير، وعندما وصل دوره وسلم علي سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح، رحمه الله تعالي، لفت انتباه سمو الامير هذا الفتي الذي حضر منفردا من غير ان يصطحبه احد من كبار رجال العائله، وتحمل وحده مسؤوليه تمثيل اسرته وعائلته في هذه المناسبه بين تلك الجموع الكبيره من اهل الكويت الكرام. فما كان من سمو الامير الا ان بادره بسؤاله عن اسمه، فاخبره بانه حمود مبارك حمود الهويدي، فسر الامير بذلك؛ وقال: «والنعم، هذه اسره مباركه، ولنا معهم علاقات طيبه»، ثم طلب منه ان يبلغ سلامه الي والده وافراد اسرته جميعا، وطلب منه الانتظار وعدم الانصراف، حتي يفرغ الامير من السلام والترحيب بجميع المهنئين من المواطنين الكرام، وبعد انتهاء استقبال المهنئين دعاه الامير الي مائدته وقربه من مجلسه، وتناول الغداء معه، ثم منحه عيديه خاصه بلغت ثلاث وعشرين روبيه (23 روبيه)، وهو مبلغ كبير علي فتي يافع في ذلك الوقت، وقد اراد العم حمود ان يعطيها لوالده بعد عودته الا انه رفض ان ياخذها منه وتركها له باكملها، كما ان سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح، رحمه الله تعالي، كان قد اوصاه قبل وداعه بابلاغ والده سلامه وتحياته ووعده بزيارتهم في اقرب فرصه ممكنه باذن الله تعالي». وهنا كلمه حق في حق الشيخ عبدالله السالم الصباح، رحمه الله تعالي، انه كانت له زيارات خاصه لكثير من اصدقائه الكويتيين في بيوتهم، كما ان هذا الموقف علي بساطته يوضح عددا من المعاني الجميله؛ منها: تواضع الشيخ عبدالله السالم الصباح، رحمه الله تعالي، وقربه من ابناء شعبه، كما يعكس حرص العم مبارك علي تربيه ابنائه علي تحمل المسؤوليه والثقه بالنفس، ويبرز في الوقت نفسه روح المبادره التي تحلي بها الابن حمود، الذي ادي المهمه خير اداء رغم صغر سنه، فكان مثالا للفتي الكويتي الواعد الذي يعتمد عليه، وكانت هذه منظومه متكامله من العلاقات الجميله والاخلاق الفاضله التي سادت في مجتمعنا في كويت الماضي. الموقف الثاني: «حدي الشوف»: وخلاصه هذا الموقف: «ان العم مبارك حمود الهويدي، رحمه الله تعالي، كان من غواصي الكويت المعروفين، وقد شارك في رحلات الغوص مع النوخذه راشد بن احمد بن بشر الرومي، رحمه الله تعالي، وفي احدي الرحلات البحريه المتجهه الي «هير خلالوه» (الهير: هو المكان الذي يغوص فيه الغواصون بحثا عن اللؤلؤ، ويطلق عليه مسمي هير او مغاص. وخلالوه: اسم من اسماء اشهر المغاصات الكويتيه)، وبينما كان المركب علي مسافه بعيده من «هير خلالوه» ومعالم السفن الراسيه بالقرب منه لم تتضح بعد بالكليه. وفي تلك الاثناء اخذ النوخذه راشد الرومي بتلقائيه وبروح من المداعبه والمنافسه الجميله يختبر قوه ابصار بحارته وطاقم السفينه معه علي المركب، فاعلن امامهم ان من يستطيع تحديد المراكب والسفن والسنابيك الموجوده في «هير خلالوه» وبالقرب منه وانواعها بدقه فسيمنحه عطيه ومكافاه خاصه، بالاضافه الي زياده في نصيبه من الرحله. بدا البحاره في محاوله الاجابه واحدا تلو الاخر، فمنهم من لم يستطع رؤيه شيء واضح، ومنهم من اصاب في بعض التقديرات واخطا في بعضها الاخر، وعندما جاء دور العم مبارك حمود الهويدي اجاب بثقه كبيره، وبدا يعدد انواع المراكب الراسيه بالقرب من «هير خلالوه» واعدادها بدقه متناهيه؛ فقال للنوخذه ولمن معه من البحاره: «هناك عدد 5 سنبوك، و2 شوعي، و4 جالبوت، وعدد 3 بوم». (وجميع ما ذكره العم مبارك الهويدي، رحمه الله تعالي، من انواع المراكب سالفه الذكر هي انواع ومسميات مختلفه لمراكب غوص كويتيه يعرفها اهل البحر جميعا، وهذه الانواع المتعدده من المراكب تختلف انواعها ومسمياتها حسب حجمها وحمولتها وعدد طاقمها والغرض منها). وعودا علي الموقف فقد اعجب النوخذه راشد الرومي من الثقه الكبيره التي يتحدث بها العم مبارك الهويدي، وطلب من البحاره الانتظار حتي يقتربوا اكثر للتحقق من مدي دقه ما قاله، وما ان اقتربوا من «هير خلالوه» حتي تبين لهم جميعا ان وصف العم مبارك الهويدي كان مطابقا للواقع تماما؛ عددا ونوعا. عندها ابتسم النوخذه راشد الرومي واثني عليه ومنحه المكافاه التي وعد بها، واصبح يعرف بين رفاقه بلقب «حدي الشوف (اي صاحب النظر الحاد الذي يري ما لا يراه غيره)»، وعلي الرغم من ذلك فانه لم يفتخر بذلك، ولم يسبق غيره من البحاره في وصف المراكب، ولكنه انتظر حتي ينتهي الجميع من وصفهم، وذلك تادبا وتواضعا منه، واحتراما للنوخذه راشد بن احمد بن بشر الرومي، وتقديرا لرفاقه من البحاره. ويبرز هذا الموقف جانبا من التميز الذي عرف به العم مبارك الهويدي، كما يعكس تقدير النواخذه الكرام من امثال النوخذه راشد بن احمد بن بشر الرومي، رحمه الله تعالي، للكفاءات والمهارات المتميزه لبحارتهم، وحرصهم علي تكريم المتميزين منهم. ان مثل هذه المواقف الجميله لتكشف جانبا مضيئا من تاريخ المجتمع الكويتي في كويت الماضي، وتبرز ما كان يتحلي به رجاله من مبادره وتميز والحرص علي تحمل المسؤوليه، كما تظهر شخصيه العم مبارك حمود الهويدي وابنه العم حمود، رحمهما الله تعالي، بوصفهما نموذجين مشرفين لابناء الكويت، الذين جمعوا بين اداء الواجب وتحمل المسؤوليه الاجتماعيه والقدره علي المبادره والثقه بالنفس. د.عبدالمحسن الجارالله الخرافي