ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم ا.د. لطيفه حسين الكندري

«الاوديسه».. من الاسطوره الي الشاشه

«الاوديسه».. من الاسطوره الي الشاشه

ليست الاوديسه اليونانيه مجرد ملحمه اسطوريه قديمه متعلقه بالابطال الخرافيين، بل هي – في بعض فصولها - عمل ادبي مسطور، يجسد قيم الصبر والذكاء والاصرار في مواجهه التحديات والمجهول. والي جانب الالياذه، تعد الاوديسه من اعظم الملاحم التي نسبت الي الشاعر الاغريقي هوميروس، اذ تناولت الالياذه احداث حرب طرواده، بينما تروي الاوديسه رحله الملك «اوديسيوس» في سعيه للعوده الي موطنه «ايثاكا» بعد سنوات طويله من المعاناه. وخلال رحلته، واجه العواصف والكائنات الاسطوريه والوانا من السحر والخرافه، لكنه تمكن من تجاوزها بفضل مثابرته ودهائه. فرض فيلم الاوديسه نفسه علي دور السينما العالميه والمحليه، وما زال النقاش حوله محتدما مدحا وذما، فمن الانتقادات التي وجهت للفيلم تتعلق بخيارات التمثيل، اذ راي البعض ان وجوه الممثلين لا تعكس الملامح اليونانيه المتوقعه، كما يفتقر عدد منهم الي الكاريزما والحضور اللازمين لتجسيد الشخصيات الملحميه. يستلهم المخرج كريستوفر نولان هذا الارث الحضاري، موظفا الفن لاعاده فخر الملاحم اليونانيه برؤيه سينمائيه معاصره متقدمه تقنيا في عالم السينما، وينطلق الفيلم من قناعه مفادها ان الاعمال الادبيه الكبري لا تنتمي الي الماضي وحده، بل تمتلك قدره متجدده علي مخاطبه ومؤانسه خيال كل عصر حين تعاد قراءتها بلغه فنيه قد تناسب زمانها. ومن هذا المنطلق، لا يكتفي الفيلم باستحضار الاسطوره بوصفها حكايه خياليه مكتوبه قبل قرون عده، بل يعيد اكتشاف ما تنطوي عليه من قيم انسانيه خالده، وصراعات ازليه مريره، تتجاوز حدود الزمان والمكان، وقد تلامس قضايا الانسان في مختلف العصور. وبعيدا عن الانتقادات الموجهه لفيلم الاوديسه، تبرز الملحمه قيم محموده عده، تمثل «بينيلوبي» (زوجه اوديسيوس) الوفاء والصبر والثبات، بينما يجسد «اوديسيوس» نموذج القائد، الذي يقود بالحكمه قبل القوه، ويتحمل مسؤوليه قراراته مهما كانت التحديات والزلات، كما تعكس شخصيه «تليماخوس» (ابن اوديسيوس) معاني البر والولاء للاسره والتشبث بالامل. تؤكد احداث الملحمه قيمتي حسن الضيافه، واكرام الغريب، كما تجسد الاوديسه قيمه حب الوطن بوصفها قيمه انسانيه وتربويه رفيعه، فقد ظل «اوديسيوس» متمسكا بحلم العوده الي وطنه، رغم ما واجهه من اخطار مهوله، واغراءات لا يستهان بها، كان من شانها ان تبعده عن هدفه. حول الفيلم التراث الادبي الي عمل ثقافي حي، يعيد تقديم النصوص الكلاسيكيه للاجيال الجديده، ويحافظ علي حضورها في الوعي الجمعي، كما يعرض الفيلم بعض صور الخيانه والتزلف والطمع والانانيه والتمرد ودناءه النفس في سحق الفقراء. ان الامم التي تستثمر ارثها الثقافي في الادب والفن والسينما، لا تحفظ تاريخها فقط، بل تعزز هويتها وتجدد سردياتها، وتغرس في ابنائها منظومه من القيم والمعاني، التي تصنع الانسان وتوضح له ازليه صراع الخير مع الشر. قبل ايام غرد الاديب السعودي سعد البازعي، فكتب عن ترحيب الغرب باساطيره، وان اوروبا احتفت بالملاحم اليونانيه والرومانيه، واعادت احياءها في عصر النهضه لترسيخ هويتها التاريخيه، وفرض هيمنتها الثقافيه، بينما همش العالم العربي ملاحمه الشعبيه «بوصفها ادبا شعبيا ساذجا يسرده الحكواتيه»، رغم ما تزخر به من خيال شعبي ثري، يرافقه تجسيد عميق للطموحات والماسي والمخاوف والامال الانسانيه، مما يجعلها جديره بالحفظ، والاهتمام، واعاده انتاجها. ومن هنا يبرز سؤال يستحق التامل: هل نمتلك في العالم العربي الجراه والرؤيه والتقنيه لتحويل موروثنا التاريخي، بما يحتويه من القصص الشعبيه والروائع الادبيه في البطوله والحب والذكاء والمغامره، الي اعمال فنيه وثقافيه معاصره، تعرف الاجيال بسعه وخصوبه تراثها، وتخاطب العالم بلغه الابداع والتجديد؟ فاحياء محاسن التراث ليس استعاده للماضي، بل هو استثمار له في بناء الحاضر، وصناعه المستقبل، ورفع رصيد المنجزات. كيف نوظف المخيال الشعبي عبر العصور الي متعه واثاره ممزوجه بتقنيه سينمائيه عصريه تصنع فن الترويح والامتاع، وتتخذ من الحكايات والاساطير والخرافات الموروثه فضاءات جديده تغذي الشاشات العربيه؟. ا.د. لطيفه حسين الكندري

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓