ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. عبدالحميد الشايجي

الثاني من اغسطس… من الابتلاء الي البقاء (2-2)

الثاني من اغسطس… من الابتلاء الي البقاء (2-2)

الكويت… مدرسه في فقه البقاء واستعاده الدوله في المقال السابق تحدثنا عن سنن قيام الدول وبقائها، وان الاوطان لا تحفظها القوه الماديه وحدها، وانما تحفظها منظومه متكامله من الشرعيه، ووحده المجتمع، ورسوخ المؤسسات، وحكمه القياده، وفقه المالات. واذا كانت تلك السنن تمثل الاطار النظري لبقاء الدول، فان الكويت قدمت في الثاني من اغسطس عام 1990 تطبيقا عمليا نادرا لها، حتي غدت تجربتها شاهدا سياسيا وتاريخيا علي ان الدوله قد تبتلي، ولكنها لا تسقط اذا بقيت شرعيتها، واجتمعت كلمتها، ورسخت مؤسساتها. لقد شاء الله ان تمر الكويت بابتلاء عظيم حين تعرضت لاحتلال كامل لارضها، في حادثه هزت الضمير الانساني العالمي ، واكدت ان الابتلاء سنه ماضيه في حياه الامم، وان القوه وحدها لا تمنع المحن، كما ان الشدائد ليست نهايه التاريخ، بل قد تكون بدايه مرحله جديده من الوعي والبناء. غير ان السؤال الاهم ليس: كيف وقع الاحتلال؟ وانما: كيف بقيت الدوله؟ والجواب يكمن في حقيقه تختصر التجربه الكويتيه كلها: احتلت الارض… ولم تسقط الدوله. فهذه ليست عباره انشائيه، وانما حقيقه سياسيه ودستوريه وقانونيه؛ اذ غابت سلطه الدوله عن اقليمها زمنا، لكن شرعيتها بقيت قائمه، واستمرت القياده الشرعيه تمثل الدوله، وحافظ الدستور علي مكانته، وبقي الشعب وفيا لوطنه، كما ظل المجتمع الدولي يعترف بالكويت دوله كامله السياده، ولم يمنح الاحتلال اي مشروعيه، حتي عادت الارض الي اهلها، وعادت الدوله تمارس سيادتها من جديد. ولعل من اندر ما عرفه التاريخ السياسي الحديث ان تستعيد دوله احتل كامل اقليمها سيادتها ونظامها الدستوري ومؤسساتها من غير ان تفقد شخصيتها القانونيه او شرعيتها الدوليه. وهذه خصوصيه جعلت التجربه الكويتيه مدرسه في فقه البقاء؛ اذ ان الدول لا تقاس بمساحه ارضها، وانما بقدرتها علي المحافظه علي شرعيتها، وترسيخ الثقه بين القياده والشعب، وبناء مؤسسات تصمد امام الازمات. ومن هنا تتجلي السياسه الشرعيه في اسمي معانيها؛ فهي ليست مجرد اداره للسلطه، وانما فقه لحفظ الدوله، وصيانه الشرعيه، وتحقيق المصالح العامه، وتقديم الكليات علي الجزئيات، والنظر في المالات قبل الوقائع. ولذلك قرر علماء الاسلام ان من اعظم مقاصد الولايه حفظ الدين وسياسه الدنيا به، وان حفظ الجماعه ووحده الامه من اعظم الواجبات عند حلول الفتن والنوازل. وقد تجسد هذا المعني في التجربه الكويتيه حين اصبحت المحافظه علي الدوله واستعاده سيادتها مقصدا جامعا التف حوله الجميع، فغلبت المصلحه العليا علي الخلافات، واجتمعت الارادات علي هدف واحد: ان تبقي الكويت دوله ذات شرعيه، لا ارضا محتله تنتظر التحرير. ومن ابرز صور هذا الوعي الوطني مؤتمر جده، الذي جمع القياده السياسيه ومختلف القوي والفعاليات الوطنيه في لحظه تاريخيه فاصله، فكان نموذجا راشدا في تقديم مصلحه الوطن، والاجتماع علي الشرعيه، وتجاوز الخلافات عند النوازل. ولم يكن ذلك مجرد توافق سياسي، بل تجسيدا عمليا لمقاصد السياسه الشرعيه التي تجعل حفظ الدوله ووحده الامه اساسا لدفع الفتن واستعاده الاستقرار. ومن فقه المالات ان ندرك ان وحده الصف ليست خيارا ظرفيا، بل شرط من شروط بقاء الدول؛ فكم من دوله هزمها الانقسام قبل ان يهزمها عدوها، وكم من امه حفظها اجتماع كلمتها رغم قسوه المحن. ولذلك فان اخطر ما يهدد الاوطان ليس العدوان الخارجي وحده، وانما تصدع الجبهه الداخليه، وضعف الثقه بالمؤسسات، وتنازع الولاءات. ولئن كان التحرير، بعد فضل الله تعالي، ثمره للاخذ بالاسباب السياسيه والعسكريه والدبلوماسيه، فان للامم كذلك رصيدا اخلاقيا لا يقل اثرا عن قوتها الماديه. فقد عرفت الكويت، منذ نشاتها، بالاغاثه والعمل الانساني، ومد يد العون للمحتاجين، حتي غدا عطاؤها جزءا من هويتها الحضاريه. وقد قال رسول الله ﷺ: صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وهي قاعده عظيمه في حياه الافراد، ولها اثرها كذلك في حياه المجتمعات؛ اذ تبني للامم رصيدا من المحبه، وحسن الذكر، والثقه بين الشعوب. وليس المقصود ان المعروف يغني عن اعداد القوه، وانما ان القيم والاخلاق تبقي جزءا اصيلا من منظومه البقاء، اذا اقترنت بالاخذ بجميع الاسباب المشروعه. ومن فقه البقاء كذلك ان المحن ليست نهايه الطريق، بل قد تكون بدايه مرحله اكثر نضجا. فلم تخرج الكويت من محنتها كما دخلتها، بل خرجت اكثر ادراكا لقيمه الامن الوطني، واشد تمسكا بمؤسساتها، واعمق وعيا بوحده مجتمعها، واكثر استعدادا لمواجهه المستقبل. واذا كان خطر الامس قد جاء في صوره جيش يعبر الحدود، فان اخطار اليوم اصبحت اكثر تعقيدا؛ فقد تاتي في صوره حرب سيبرانيه، او حملات تضليل اعلاميه، او ضغوط اقتصاديه، او محاولات لاستهداف الهويه الوطنيه، او بث الفرقه بين ابناء المجتمع. ولذلك لم يعد الامن الوطني مقتصرا علي حمايه الحدود، بل اصبح منظومه شامله تبدا بامن الفكر والهويه، وتمر بالامن الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والاعلامي، وتنتهي بالامن العسكري، وكلها حلقات متكامله اذا ضعف احدها تاثر سائرها. فان فقه المالات يقتضي ان تتجدد وسائل الحمايه بتجدد صور التهديد، وان يصبح الامن الوطني مسؤوليه يشترك فيها الجميع؛ الاسره، والمدرسه، والجامعه، والاعلام، والمؤسسات، وكل مواطن يدرك ان حمايه الوطن تبدا ببناء الانسان والوعي، قبل بناء السلاح. ان الذين عاشوا احداث الثاني من اغسطس يحملون ذاكره التجربه،اما الاجيال اللاحقه فتحمل مسؤوليه صيانه ثمارها. وليس اعظم ما يورثه الاباء للابناء روايه الالم، وانما حكمه الصمود، وفقه البقاء، والايمان بان الاوطان لا تحفظ بالشعارات، وانما تحفظ بالايمان، والعلم، والعمل، والوحده، والاستعداد الدائم. ومن سنن الله في التاريخ ان الابتلاء لا يميز بين الامم، وانما يميزها حسن الاستجابه له؛ فهناك امم تسقط لانها تفرط في وحدتها، واخري تجعل من المحنه بدايه نهضه جديده، فتراجع اخطاءها، وتعيد بناء اسباب قوتها، وتستشرف مستقبلها في ضوء دروس الماضي. ولذلك لم يعد الثاني من اغسطس مجرد ذكري وطنيه تستحضر مشهد الاحتلال، بل اصبح مدرسه في فقه الدوله، وشاهدا علي ان الامم التي ترسخ شرعيتها، وتحفظ وحدتها، وتحسن قراءه المالات، وتاخذ باسباب القوه، قادره بعد توفيق الله علي تحويل الابتلاء الي قوه، والازمه الي وعي، والمحنه الي منحه. وهكذا اثبتت الكويت ان الدول لا تقاس بطول اعمارها، ولا بسعه جغرافيتها، ولا بما تملكه من اسباب القوه الماديه وحدها، وانما بقدرتها علي الثبات عند الابتلاء، والاجتماع عند النوازل، واستلهام سنن الله في قيام الدول وبقائها؛ قال الله تعالي : ﴿وتلك الايام نداولها بين الناس﴾ غير ان العاقبه تكون لاهل الايمان، وحسن التدبير، والاخذ بالاسباب. الزبده: 1. احتلت ارض الكويت، لكن الدوله لم تسقط؛ لان الشرعيه الدستوريه والاعتراف الدولي ووحده الشعب والقياده بقيت راسخه. 2. تقدم التجربه الكويتيه نموذجا عمليا في فقه البقاء، حيث كان حفظ الدوله وتغليب المصلحه العليا اساس استعاده السياده. 3. جسد مؤتمر جده معني الاجتماع علي الشرعيه، وتقديم وحده الوطن علي الخلافات، وهو من ابرز تطبيقات السياسه الشرعيه في النوازل. 4. تؤكد التجربه ان قوه الدول لا تقوم علي السلاح وحده، بل علي الشرعيه، والمؤسسات، ووحده المجتمع، وحسن قراءه المالات. 5. يشكل العمل الانساني ورصيد الكويت الاخلاقي بعدا حضاريا يعزز مكانتها، مع بقاء الاخذ بالاسباب المشروعه اساسا في حفظ الدول. 6. لم تعد التهديدات مقتصره علي الغزو العسكري، بل تشمل الامن الفكري، والسيبراني، والاعلامي، والاقتصادي، والهويه الوطنيه. 7. الثاني من اغسطس ليس مجرد ذكري للاحتلال، بل مدرسه وطنيه في سنن البقاء، تؤكد ان المحن قد تكون بدايه لنهضه جديده اذا احسن الناس قراءتها والاستفاده من دروسها. د. عبد الحميد خليفه الشايجي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓