النظام السياسي في سوريا: رؤي وطموحات (1 - 2)

عقد مجلس الشعب السوري اولي جلساته في 12 يوليو، انتخب في هذه الجلسه عبدالحميد العواك رئيسا للمجلس، ومصطفي موسي ومادونا بشاره نائبين له. ويبلغ عدد اعضاء المجلس 210، منهم 70 معينون من رئيس احمد الشرع، و140 منتخبون. والانتخاب كان عن طريق هيئه انتخابيه، مكونه من 50 عضوا لاختيار عضو واحد. والحقيقه ان الانتخاب عن طريق هيئه انتخابيه فيه ابداع ومحاوله للجمع بين عمليه الانتخاب الفعلي والتعيين، وذلك لان ظروف سوريا الحاليه في ما يتعلق بالسجلات الرسميه للمواطنين واماكن اقامتهم يصعب حصرها في الوقت الحالي. وهذا وان كان ليس بالمثالي الا انه مفهوم في ظل ظروف سوريا الحاليه. والتساؤل الاهم هو انه هل ستكون هناك انتخابات نيابيه حقيقيه بعد السنوات الخمس من المرحله الانتقاليه، التي سيمضي عليها حوالي السنتين في ديسمبر المقبل؟ لا شك ان توقع مستقبل سوريا او النظام السياسي في سوريا امر ليس باليسير. والامر يتعلق بمدي قناعه القياده السوريه، المتمثله بالرئيس احمد الشرع، بانه ومع التضحيات والبطولات، التي قدمتها هيئه تحرير الشام في اسقاط النظام الدكتاتوري، فان الشعب السوري يطمح الي رؤيه قياده سياسيه اكثر تمثيلا للتنوعات السياسيه والمذهبيه والدينيه والقوميه. ومستقبل سوريا السياسي لا يتشكل من الداخل فقط، وانما هناك بيئه دوليه تساهم كثيرا في تشكيل مستقبل سوريا. وتوقعات المستقبل هي اصعب كثيرا من التحليل التاريخي. فالمستقبل يخضع لمتغيرات اغلبها خارج عن نطاق التحكم، اما التاريخ فعباره عن تحليل منطقي لمرحله تاريخيه. لكن هناك حكمه تؤخذ من هذا التحليل التاريخي، ولناخذ مثالا علي ذلك من الاستفاده من التجربه التاريخيه لنهايه حزب البعث. فقد تاسس حزب البعث من قبل ميشيل عفلق وصلاح البيطار في عام 1947، وكان حزبا مدنيا، ساهم في الحراك السياسي الديموقراطي، وفي عام 1954 تم انتخاب 17 من مرشحي الحزب اعضاء في مجلس النواب، وشكلوا ثاني اكبر كتله انتخابيه. ويبدو انه كانت للحزب قاعده انتخابيه حقيقيه، لكن انتشار افكار الحزب بين الضباط، خاصه من ابناء الاقليات في الجيش، حرم الحزب من النضوج والنمو الطبيعي لفكر الحزب بين ابناء الشعب. فكان ان استولي الحزب علي السلطه بانقلاب عسكري في 8 اذار 1963، وتم تعيين العسكري امين الحافظ رئيسا للجمهوريه. وما كان هذا الا بدايه لسلسله من الانقلابات والاغتيالات، الي ان استولي حافظ الاسد علي السلطه في نهايه 1970، ثم اعلن انفراده بالسلطه في بدايه 1971 الي وفاته في 2000، والذي ورث السلطه الي ولده، الذي هرب الي موسكو في 8 ديسمبر 2024. ولتوضيح المقارنه بين التحليل المستقبلي والتاريخي، لنعد الي ذلك اليوم من عام 1954، الذي اعلنت فيه نتائج انتخابات مجلس النواب في سوريا، والذي عرفنا منه ان حزب البعث نال 17 مقعدا في المجلس، وانه في ذلك اليوم طرحنا التساؤل عن المستقبل السياسي لسوريا، فهل كنا سنتوقع انقلاب 8 مارس/اذار 1963 وانفراد الحزب بالسلطه، ومن ثم تامر قياداته بعضهم بعض وتخوينهم لاعضاء الحزب، بالطبع ما كنا نتوقع ذلك، فهناك فارق كبير بين الاليه والظروف الاجتماعيه، التي نقلت حزب البعث من حزب نخبوي عام 1954 الي حزب يتنازع اعضاؤه علي السلطه بالفتره في 1963. والتحليل التاريخي سيكون ادق عندما نصل الي عام 1966، بعد انفراد صلاح جديد وحافظ الاسد بالسلطه، واكثر دقه في نهايه 1970، بعد ان انفرد حافظ الاسد بالسلطه. ونحن الان اكثر دقه بتحليل الاسباب الاجتماعيه والتاريخيه، التي حولت حزب البعث من حزب نخبوي ينجح اعضاؤه في حصد 17 مقعدا في مجلس النواب، الي حزب سلطوي يتامر اعضاؤه بعضهم علي بعض، مؤديا الي تحويل عدم الاستقرار، خلال الفتره 1963 ــ 1970، الي «استقرار» خلال الفتره 1970 ــ 2024، بواسطه طبقات من اجهزه المخابرات، ورعب انتشر في البلاد، لدرجه ان الاب يخشي من السؤال عن مصير ابنه. فهل كان ساذجا من توقع ان يستمر الحزب في نهجه الديموقراطي، الذي بدايته في 1954؟ بالطبع لا، ولكن كما ذكرنا فان التحليل المستقبلي اصعب بكثير من التحليل التاريخي. فمن كان يتوقع انهيار نظام بشار الاسد في نهايه 2024؟ فبشار الاسد كان في طريقه الي تحقيق قبول دولي جديد، ودول الخليج بدات تستوعبه وتدعوه الي المؤتمرات. فسقوط نظامه كان مفاجاه حتي للمخابرات الاسرائيليه. فقد نشرت صحيفه هارتس، بتاريخ 13/7/2024، عن خطه لاسقاط النظام الايراني عن طريق زج فيلق كردي مكون من 16 الف مقاتل في الحرب، التي شنتها امريكا واسرائيل علي ايران. وذكر التقرير انه بعدما فوجئ نتانياهو بسقوط الاسد في 8 ديسمبر 2024 علي يد جيش محدود الامكانيات، مثل جيش هيئه تحرير الشام، اعتقد ان الفيلق الكردي كان من الممكن ان يؤدي المهمه، وينجح في اسقاط النظام الايراني. لكن التقرير سخر من نتانياهو، مشيرا الي ان هناك فارقا كبيرا بين ايران وسوريا. فالاخيره تعتمد كليا علي روسيا بالسلاح، لكن ايران كانت تصدر طائرات مسيره وصواريخ لروسيا. وذكر التقرير ان خطه زج الاكراد في المعركه رفضت في اللحظات الاخيره من قبل الامريكان. فسقوط نظام الاسد السريع شكل مفاجاه لاكثر اجهزه الاستخبارات العالميه معرفه بالمنطقه. د. حامد الحمود