اختفاء هاري بوتر

حين فتحت صفحه «ويكيبيديا» علي اسم الكاتبه البريطانيه «جوان رولينغ - Joanne Rowling» (مواليد 31 يوليو 1965)، استوقفتني عباره صغيره: «روائيه وفاعله خير». وصف بالغ البساطه، لكنه يحمل في طياته سؤالا عميقا يستحق التامل: هل يمكن ان يلتقي الابداع الروائي وفعل الخير في شخص واحد؟ وهل ثمه روائي عربي واحد يعرف علي الملا بهذا الوصف المزدوج؟ عرف العالم جوان بوصفها صاحبه سلسله كتب الاطفال «هاري بوتر - Harry Potter»، سبعه كتب تجسدت فيها شخصيه خياليه واحده، لكنها استطاعت ان تحرك العالم. كان اطلاق كل اصدار جديد من السلسله حدثا بحجم مهرجان: اسر باكملها تقف في البرد والمطر، ساعات طويله في طوابير تمتد امام المكتبات، لا لتشتري كتابا فحسب، بل لتظفر بتوقيع المؤلفه. ثم تحولت الكتب الي افلام، والافلام الي صناعه، والصناعه الي مليارات، كلها نبتت من خيال امراه بدات حياتها معدمه، تكتب في مقاهي «ادنبره» البارده بينما طفلتها الرضيعه تنام الي جانبها. سؤال طارئ هو الذي دفعني الي البحث في عالم رولينغ: «لماذا خبا بريق هاري بوتر؟» الاجابه المتاحه جاهزه وبارده: «اكتملت القصه بصدور الكتاب السابع». لكن هذه الاجابه تفتح جرحا ادبيا حقيقيا: كيف لسلسله كتب ملات الدنيا وشغلت اطفال الارض وناشئتها، ان تنتهي بمجرد انتهاء صفحاتها؟ وكيف يتوقف الاهتمام بها حين تتوقف الماكينه الاعلاميه والسينمائيه عن الدوران؟ اليس هذا اعترافا بان ما صنع هاري بوتر لم يكن الادب وحده، بل كانت الضوضاء الاعلاميه التي احاطت به؟ كثيرا ما اشارت الدراسات النقديه الي ان عوالم هاري بوتر ارتوت من نبع قديم وعميق: «الف ليله وليله»، ذلك الكتاب الاعجوبه الذي لم تستطع الايام ان تطمره، ولا يزال حتي هذه اللحظه يشتعل في خيال القراء والكتاب حول العالم. فما الذي يفرق بين كتاب يخبو وكتاب يبقي؟ وما السر الذي يجعل نصا ما يورث حياه اطول من حياه صاحبه؟ الاجابه، بعيدا عن التنظير الاكاديمي، تكمن في شروط لا يقوم البقاء الادبي الحقيقي دونها: ان يكون الكتاب شاسع الخيال، محكم البنيه، وان يلمس بذكاء هموم الانسان واسئلته التي لا تشيخ، وان يمنح القارئ ما هو اثمن من المعلومه: المتعه، تلك القدره الخفيه علي انتزاعه من لحظته الرتيبه، ونقله الي عوالم يعيشها كانها حقيقيه، فيعود منها وقد اضاف الي حياته لحظات لم تكن له. روايات كثيره احتلت قوائم المبيعات وتوجت بجوائز مرموقه، ثم انسحبت بهدوء الي رفوف النسيان. في المقابل، نصوص بعينها استطاعت ان تعبر الاجيال كانها لم تكتب في زمن محدد، وان تظل مشتركا انسانيا عصيا علي الهجر وعلي التجاهل. اعود الي حيث بدات: الروائيه وفاعله الخير. لماذا لا يشار الي روائي عربي واحد بهذا الوصف؟ من خلال معرفتي الحميمه بالمشهد الابداعي العربي اقول بلا مواربه: الكاتب العربي لا يزال يرزح تحت بؤس سوق النشر وظلم عقوده، حتي ان بعض الكتاب يدفع من جيبه الخاص ثمن طباعه كتابه، كانه يدفع فديه لحلمه. ولسان حاله يقول في صمت مرير: احتاج فاعل خير يتكفل بنشر كتابي. هذا وحده، في تقديري، كاف لتفسير ما ال اليه حال الكاتب العربي: موهبه تتقد بحرقه، وكلمات تولد يتيمه في سوق نشر لا يرحم. طالب الرفاعي