الحفاظ علي قصر العدل

ان الهدم المقترح لقصر العدل لا يمثل مجرد خساره لمبني حكومي، بل يمحو فصلا مهما من تاريخ الكويت المعماري والثقافي والقضائي، ويرسل رساله مقلقه، مفادها ان التراث الحديث قابل للاستهلاك. يعد قصر العدل، الذي اكتمل بناؤه عام 1984 وصممه المعماري الاسكتلندي الشهير السير باسيل سبنس، احد ابرز الامثله علي العماره المدنيه الحديثه في الكويت. يجسد تصميمه الضخم، واستخدامه الدقيق للتكوين الهندسي، واشاراته الي مبادئ العماره الاسلاميه، حقبه كانت فيها المباني العامه تصمم لابراز الكرامه والخلود والهويه الوطنيه. بدلا من اعتباره مبني عفا عليه الزمن، لذلك ينبغي علينا الاعتراف به معلما معماريا لا يعوض. في جميع انحاء العالم، نادرا ما تهدم المباني المدنيه التاريخيه لمجرد بناء مرافق احدث، بل ترمم او توسع او يعاد استخدامها بشكل مبتكر. ان الحفاظ علي هذه المباني ليس عائقا امام التنميه، بل هو سمه مميزه للمدن العريقه التي تقدر الاستمراريه جنبا الي جنب مع التقدم. علي النقيض من ذلك، ينتج الهدم نفايات بيئيه غير ضروريه، ويخلف كميات كبيره من الكربون المتضمن، وغالبا ما يكون اكثر تكلفه علي المدي الطويل من الترميم الذي يراعي المعايير. يتمتع قصر العدل ايضا بقيمه رمزيه عظيمه، فعلي مدي عقود، شهد احكاما دستوريه، ونزاعات مدنيه، واجراءات جنائيه، ولحظات لا تحصي ساهمت في تشكيل النظام القانوني الكويتي. هذه الذكريات لا يمكن استعادتها بمجرد زوال المبني، لا يقاس التراث بالعمر فقط، بل باهميته الثقافيه ومعناه العام. لذا، فان النقاش الدائر حول قصر العدل يتجاوز مجرد العماره، انه يتعلق بكيفيه اختيار الكويت لتخليد تاريخها الحديث. فالامه الواثقه من مستقبلها لا ينبغي لها ان تمحو الاثار الماديه لماضيها. من خلال الحفاظ علي قصر العدل واعاده توظيفه بشكل مدروس، يمكن للكويت ان تثبت ان التحديث وصون التراث هدفان متكاملان وليسا اولويتين متنافستين. د. يوسف عبد المحسن الهارون