ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. محمد الوهيب

هل ايران دوله طبيعيه؟

 هل ايران دوله طبيعيه؟

في العقل السياسي الحديث، لم تعد الدوله تعرف باعتبارها رساله دينيه او حركه ثوريه عابره للحدود، وانما بوصفها مؤسسه سياسيه وقانونيه غايتها الاولي حمايه المجتمع، وصون السياده، وتحقيق مصالح المواطنين. ومن هذا المنطلق، تقاس قوه الدول بما توفره لشعوبها من امن واستقرار وازدهار، لا بعدد الجبهات التي تديرها او الصراعات التي تخوضها خارج حدودها. ومن هنا برز مفهوم «الدوله الطبيعيه»، اي الدوله التي تجعل المصلحه الوطنيه معيارا لسياستها الداخليه والخارجيه، وتتعامل مع العالم بمنطق السياسه لا بمنطق الرساله العقائديه. والمقصود بهذا المفهوم ليس دوله مثاليه، وانما دوله تتصرف وفق القواعد التي استقر عليها النظام الدولي الحديث، حيث تكون خدمه المواطن هي الغايه، وتكون ادوات القوه في خدمه الدوله، لا العكس. ولعل هذا ما دفع هنري كيسنجر الي القول ان علي ايران ان تحسم خيارها: هل هي دوله ام قضيه؟ او كما راي زبيغنيو بريجنسكي ان الاشكاليه لا تكمن في قوه ايران، بل في طبيعه النظام الذي يحكمها. فالعالم يتعامل مع دول عديده تمتلك اسلحه نوويه دون ان ينظر اليها بوصفها مصدرا دائما للقلق، لان سلوكها تحكمه في النهايه اعتبارات المصلحه الوطنيه. اما عندما تقترن القوه بمشروع ايديولوجي يتجاوز حدود الدوله، فان حسابات السياسه التقليديه تصبح اكثر تعقيدا، ويغدو السلوك السياسي اقل قابليه للتوقع. بعد قيام الجمهوريه الاسلاميه عام 1979، اختارت ايران ان تربط هويتها السياسيه بمشروع ثوري يتجاوز حدودها الوطنيه، واصبح مبدا «تصدير الثوره» جزءا من خطابها الرسمي وسياستها الاقليميه. ولم تعد السياسه الخارجيه تدار بمنطق الدوله القوميه وحده، بل اختلطت فيها اعتبارات المصلحه الوطنيه بالالتزام العقائدي، فتداخلت حدود الدوله مع حدود المشروع. غير ان هذا النموذج لم يكن محل انتقاد من الخارج فحسب، بل اثار ايضا نقاشا واسعا داخل ايران نفسها. ومن ابرز الاصوات في هذا السياق استاذ العلوم السياسيه الايراني صادق زيباكلام، الذي دعا الي اعاده تعريف وظيفه الدوله، متسائلا: ما الذي جناه المواطن الايراني من انفاق الموارد في صراعات خارج الحدود، بينما يعاني الداخل من التضخم، وتراجع العمله، والبطاله، والازمات الاقتصاديه؟ لم يكن زيباكلام يدعو الي اضعاف ايران او التخلي عن مصالحها، وانما كان يطرح سؤالا يتعلق باولويات الدوله. ففي نظره، لا تقاس قوه الدول بعدد الملفات الاقليميه التي تديرها، وانما بقدرتها علي بناء اقتصاد متين، وجامعات متقدمه، ومؤسسات كفؤه، ومستوي معيشه كريم لمواطنيها. فالدوله التي تحمل نفسها اعباء مشروع ايديولوجي دائم قد تجد، مع مرور الوقت، ان كلفه هذا المشروع اصبحت اكبر من قدرتها علي الاحتمال. ان اهميه هذا الجدل تكمن في انه يكشف ان الخلاف حول الدور الايراني ليس مجرد خلاف بين ايران وجيرانها، بل هو نقاش داخلي ايضا حول معني الدوله ووظيفتها. فهل وجدت الدوله لخدمه مواطنيها، ام لحمل مشروع يتجاوز حدودها؟ وهل تستمد شرعيتها من رفاهيه شعبها، ام من اتساع نفوذها؟ ان الاجابه عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل ايران وحدها، بل ستحدد الي حد بعيد مستقبل الامن والاستقرار في الخليج والشرق الاوسط. د. محمد الوهيب

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓