ابن عمار الميكافيلي الاندلسي

كلما زرت اسبانيا او البرتغال او المغرب، ادركت ان هذه البلاد لا تزار بمناظرها وحدها، بل بتاريخها ايضا، فكل مدينه تخفي بين ازقتها حكايه، وكل قلعه تروي قصه رجل صنع المجد او اضاعه، وبعد ان تحدثت في المقال السابق عن الغارف البرتغاليه واصل تسميتها العربيه، وجدتني هذه المره اقف في مدينه شلب، او سيلفيش كما تعرف اليوم، لاستعيد سيره احد اكثر رجال الاندلس اثاره للجدل، ابو بكر محمد بن عمار، ولم تكن شلب مدينه عاديه في الغرب الاسلامي، بل كانت من اهم حواضره العلميه والادبيه، ازدهرت فيها الزراعه والتجاره، واحاطت بها البساتين والانهار، واتخذها امراء بني عباد قاعده مهمه لقربها من المحيط الاطلسي وموقعها الاستراتيجي، واليوم ما زالت قلعتها الحمراء تقف شامخه فوق التل، شاهده علي قرون من الحضاره الاسلاميه، فيما تخفي ازقه المدينه الهادئه تاريخا اكبر بكثير من حجمها، وعلي خلاف بعض مدن البرتغال الساحليه التي يغلب عليها اليوم صخب السياحه، احتفظت سيلفيش بطابعها البرتغالي الهادئ، ولذلك شعرت وانا اتجول في شوارعها ان التاريخ ما زال حاضرا بين اسوارها، بعيدا عن ضجيج المنتجعات الساحليه، ولعل هذا التنوع هو ما يميز الغارف؛ فهي ليست وجها واحدا، بل تضم مدنا لكل منها شخصيتها وروحها الخاصه، وفي هذه المدينه ولد ابن عمار لاسره بالغه الفقر، ويقال ان اصولها تعود الي اليمن، ولم يكن يملك سوي موهبته الشعريه، فرحل الي قرطبه يطلب العلم والرزق، وجعل من شعره وسيله يطرق بها ابواب الامراء، حتي انه مدح يوما فلاحا بسيطا بعدما ملا له مخلاه حماره شعيرا، في مشهد يكشف مقدار ما قاساه من ضيق الحال، ورغم ان بعض المؤرخين اخذوا عليه مبالغته في المديح طمعا في العطاء، فان تلك الموهبه كانت جواز سفره الي بلاط بني عباد في اشبيليه، حيث وقف بين يدي المعتضد بن عباد وابنه الامير المعتمد، وانشد قصيدته الشهيره: وله سيف ابن عباد يفرق عسكرا وتهزه ريح الصبا فيتبخترا اعجب الملك وولي عهده بالشاعر القادم من شلب، وطلب المعتمد ان يبقي قريبا منه، لتنشا بينهما صداقه اصبحت من اشهر صداقات الاندلس، وكان ابن عمار في السابعه والعشرين من عمره، بينما لم يتجاوز المعتمد العشرين، وجمع بينهما الادب والشعر والطموح، وحين تولي المعتمد اماره شلب، اصطحب صديقه معه، فعاد ابن عمار الي المدينه التي خرج منها فقيرا، لكن هذه المره وزيرا وصاحب نفوذ، ولم يرق ذلك لكثير من رجال البلاط، فتعددت الوشايات حتي ابعد عن القصر، قبل ان يعود بعد وفاه المعتضد، ليبدا عصره الذهبي الحقيقي، فلم يعد شاعرا فحسب، بل اصبح وزيرا وقائدا ودبلوماسيا يرسم الخطط ويقود المفاوضات، ومن اشهر ما يروي عنه ان الفونسو السادس زحف بجيشه نحو اشبيليه فكادت المدينه تسقط، فابتكر ابن عمار حيله بارعه، وتذكر بعض المصادر انه استدرج الملك القشتالي الي مباراه شطرنج، وجعل رهانها انسحاب الجيش ان خسر، وتمكن بدهائه من الفوز، فعاد الفونسو بجيشه، ليعود ابن عمار الي اشبيليه بطلا يشار اليه بالبنان، لكن النجاح قد يكون اخطر من الفشل، فقد بدا الغرور يتسلل الي نفسه، واقنعه طموحه بانه اكبر من منصب الوزير، فطلب ولايه مرسيه، ثم استقل بها، متنكرا لفضل المعتمد الذي انتشله من الفقر واوصله الي قمه السلطه، ولم يدم ذلك طويلا، فخسر مرسيه، وتنقل هاربا بين بلاطات الملوك، حتي وقع في الاسر، ومن سجنه اخذ يبعث الي المعتمد قصائد يستعطفه، يقول فيها: سجاياك ان عافيت اندي واسجح وعذرك ان عاقبت اجلي واوضح ولا تلتفت قول الوشاه ورايهم فكل اناء بالذي فيه ينضح وكاد المعتمد يعفو عنه، لولا ان الاخبار وصلته بان وزيره السابق لا يزال يكاتب الفونسو السادس ويعرض عليه التعاون ضد بني عباد، فحسم امره، وكانت النهايه الماساويه لرجل بدا حياته شاعرا فقيرا وانتهي ضحيه طموحه؛ ضاع معظم شعر ابن عمار، كما ضاع الكثير من تراث الاندلس، ولم يبق منه الا قصائد متناثره بين بطون الكتب، لكنها تكفي لتخبرنا ان الرجل كان يستطيع ان يكون واحدا من اعظم شعراء عصره، لو انه جعل الوفاء يسبق الطموح، وانا اغادر قلعه سيلفيش، لم يخطر ببالي جمال اسوارها بقدر ما شغلتني المفارقه التي تركها ابن عمار خلفه، فقد علمنا التاريخ ان الذكاء وحده لا يصنع الخلود، وان الموهبه قد ترفع صاحبها الي اعلي المراتب، لكن الغرور قادر علي ان يهدم في سنوات ما بناه العقل في عمر كامل، وربما لهذا بقي اسم ابن عمار حاضرا في كتب التاريخ، لا لانه كان شاعرا او وزيرا فحسب، بل لانه كان مثالا لرجل امتلك كل اسباب المجد، ثم خسرها حين ظن ان طموحه لا حدود له. وتسلمون. عدنان عبدالله العثمان