ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

هكذا تكون سلامه الصدر وحب الخير للاخرين

هكذا تكون سلامه الصدر وحب الخير للاخرين

تميز اهل الكويت الكرام بجمله من الخصال النبيله التي شكلت جانبا اصيلا من هويتهم الاجتماعيه والانسانيه، ولعل من اجمل تلك الخصال النبيله سلامه الصدر، ونقاء السريره، وحب الخير للاخرين دون انتظار مقابل او طلب شكر او امتنان من احد. وقد كان اهل الكويت الاوائل يتعاملون بفطره سليمه، وقلوب عامره بالايمان، يرون ان نفع الناس باب عظيم من ابواب الخير، وان ادخال السرور علي الاخرين عمل كريم يبتغي به وجه الله تعالي وحده، فلم يكونوا يقدمون المعروف علي سبيل المنه او التفاخر، بل كان الخير عندهم سلوكا يوميا تلقائيا، وعاده فطريه متاصله، تنبع من حسن النيه وصفاء السريره، حتي اصبحت هذه الاخلاق النبيله سلوكا عاديا وممارسه طبيعيه ظهر اثرها الجميل علي مختلف جنبات المجتمع في كويت الماضي. ومن المواقف الجميله التي تجسد هذه المعاني النبيله، ما يرويه احد الجلساء المقربين من العم محمد عسكر خلف العنزي، رحمه الله تعالي، وقد كان العم محمد العنزي احد ابناء الكويت المعروفين بحسن السريره وصفاء القلب، يقول راوي هذا الموقف عنه: «في سبعينيات القرن الماضي، كان العم محمد عسكر خلف العنزي، رحمه الله تعالي، يعمل سائقا لدي شركه تايسي كوربوريشن اليابانيه، وهي احدي الشركات اليابانيه المعروفه التي كانت تنفذ عددا من المشروعات في المرافق النفطيه في دوله الكويت، وتحديدا في منطقه الدوحه وما حولها من مواقع العمل المرتبطه بالحقول النفطيه. وفي احد الايام كان العم محمد عسكر العنزي، رحمه الله تعالي، يقود سياره الشركه مصطحبا فريقا من المهندسين والموظفين اليابانيين متجهين الي منطقه المقوع (وهي منطقه كويتيه تاريخيه تابعه لمحافظه الاحمدي، تقع جنوب مدينه الكويت بحوالي 25 كم، وشمال مدينه الاحمدي بـحوالي 9 كم، وتحمل تحت ارضها حقلا نفطيا مهما تم اكتشافه عام 1951م)، واثناء سيرهم علي الطريق، لفت انتباه الفريق الياباني رجل يقف علي احد جانبي الطريق بالقرب من محطه انتظار الحافلات، حيث كان ينتظر وسيله نقل تنقله الي وجهته، وقد قدر الله تعالي ان يكون وقوف هذا الرجل بجوار مجموعه من الاطارات القديمه التي كانت لاحدي الشركات التي قد تخلصت منها والقتها في هذا المكان بالقرب من محطه انتظار الحافلات. وقد ظن اليابانيون عندما راوا هذا المشهد ان الرجل هو مالك هذه الاطارات وانه يقف خصيصا من اجل بيعها علي الماره، فما كان منهم الا ان طلبوا من العم محمد عسكر العنزي، رحمه الله تعالي، التوقف لشراء تلك الاطارات من الرجل، وهنا وللوهله الاولي ظهرت فطنه العم محمد، رحمه الله تعالي، وحكمته وسلامه صدره؛ اذ كان يدرك تماما ان هذا الرجل لا علاقه له بتلك الاطارات من قريب او بعيد، وانها ليست ملكا له، ولكنه في ذات اللحظه راي في الامر فرصه قد ساقها الله، عز وجل، لتكون رزقا حلالا لهذا الرجل البسيط، الذي بدا من هيئته انه بسيط الحال، حيث كان يظهر من هيئته ومظهره بساطته ورقه حاله، وهذا ما اكده وقوفه في حراره الشمس منتظرا الحافله كي تنقله حيث اراد. هنا ظهرت سلامه صدر العم محمد عسكر العنزي، رحمه الله تعالي؛ فلم يتدخل لتوضيح الامر الذي كان جليا بالنسبه له، غائبا تماما عن بال اليابانيين؛ فلم يفصح لليابانيين بان الاطارات ليست ملكا للرجل، وعلي الجانب الاخر فانه، رحمه الله تعالي، لم يشعر الرجل بانه يعلم حقيقه الامر او انه صاحب فضل عليه او انه من تسبب في جلب هذه المنفعه له، بل اثر، رحمه الله تعالي، بسلامه صدره وحكمته الصمت تماما، ووقف متابعا للمشهد بهدوء، تاركا الامور تجري كما قدر الله تعالي لها ان تسير، بل ان من جميل ادبه ونيته الصادقه في نفع الرجل تماما انه لم يطلب لنفسه نصيبا من ثمن بيع الاطارات، او يلمح الي مشاركته في جعل اليابانيين يقدمون علي شراء تلك الاطارات، او ان يجعل هذا المعروف بابا للمنه او الفضل علي الرجل. لقد راي بنيته الطيبه ان هذا الرزق من نصيب هذا الرجل البسيط، وقد ساقه الله سبحانه وتعالي اليه بجميل تدبيره وواسع فضله وبحكمه لا يعلمها الا هو سبحانه وتعالي، فاثر ان يكون سببا خفيا في حصول الرجل علي هذا الرزق الحلال، مكتفيا بطلب الاجر والمثوبه من الله عز وجل». هكذا كان العم محمد عسكر خلف العنزي، رحمه الله تعالي، نموذجا صادقا لسلامه الصدر وحب الخير للاخرين؛ فلم يفكر قط في المكسب الشخصي، ولم ينظر الي الامر بمنطق المصلحه، بل غلب عليه نبل اخلاقه وانسانيته، فاختار ان ينفع بنيته الصادقه انسانا بسيطا دون ان يشعره بالحرج او الامتنان. ان هذا الموقف النبيل يختصر جانبا مضيئا من اخلاق اهل الكويت في كويت الماضي، ويجسد ما عرفوا به من صفاء النيه، وسلامه الصدر، وحب ايصال الخير الي الاخرين، دون ضجيج او ادعاء لفضل، وكان العم محمد عسكر خلف العنزي، رحمه الله تعالي، احد القدوات الحسنه من اهل الكويت الطيبين، التي حملت في خلجات نفسها هذه القيم في سلوكها ومواقفها، فخلدت صوره جميله من صور الشهامه والمروءه الكويتيه الاصيله، وتظل تلك المواقف النبيله شاهده بما لا يدع مجالا للشك علي ان اخلاق اهل الكويت الكرام لم تكن كلمات تقال، بل كانت افعالا تترجمها المواقف، وترويها الايام جيلا بعد جيل. د عبدالمحسن الجارالله الخرافي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓