أمن الخليج في عالم متغير.. القوة الذاتية لا تغني عن التحالفات
من «الناتو» إلى تحالف مكة.. دروس في حماية الأمن والمصالح الاستراتيجية أعادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من اعتداءات إيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي وتهديدات للملاحة الدولية، طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الخليجي في عالم تتغير فيه موازين القوى، وتتزايد فيه احتمالات اتساع الصراعات إلى مناطق أخرى. ولعل أبرز ما كشفته هذه التطورات أن امتلاك القدرات العسكرية المتطورة، مهما بلغت قوتها، لا يلغي الحاجة إلى التحالفات الدولية والإقليمية، بل يجعلها أكثر أهمية ضمن منظومة متكاملة من القوة الذاتية والردع الجماعي والمصالح المشتركة. التجربة الأوروبية... درس استراتيجي للخليج تقدم الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مثالا واضحا على أهمية التحالفات الدفاعية. فألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، رغم قدراتها الاقتصادية والصناعية والعسكرية، تعتمد بدرجات متفاوتة على القدرات الأميركية، خصوصا في الردع النووي والاستخبارات والدعم العسكري الاستراتيجي. وقد أكدت الحرب الروسية - الأوكرانية أهمية الدفاع الجماعي، ودفعت الأوروبيين إلى تعزيز قدراتهم الذاتية دون الاستغناء عن الشراكة الأميركية. والدرس هنا أن القوة الذاتية والتحالفات ليستا خيارين متعارضين، بل ركيزتان متكاملتان للأمن والاستقرار. تحالف مكة... توسيع الخيارات الدفاعية وفي السياق ذاته، يبرز تحالف مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الموقع في أغسطس 2026، مثالا على توجه إقليمي نحو تنويع الشراكات وتعزيز الردع الجماعي، مستفيدا من الثقل الاقتصادي والجيوسياسي السعودي، والقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، والقوة العسكرية الباكستانية. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التحالف في جمعه بين قدرات سكانية واقتصادية وعسكرية ضخمة، بما يتيح الانتقال من الاعتماد الفردي على التسليح إلى التكامل العملياتي والتنسيق المؤسسي، وتحويل الالتزامات السياسية إلى جاهزية دفاعية وردع جماعي فعّال. ويمثل هذا التوجه فرصة لتوسيع الخيارات الأمنية، شريطة أن تتحول الاتفاقيات إلى قدرات وتنسيق والتزامات قابلة للتنفيذ، وأن تكون مكملة للتحالفات القائمة، لا بديلا عنها أو عن منظومة الدفاع الخليجي المشترك. الخليج... شريك استراتيجي لا مجرد مستورد للأمن لم تعد أهمية دول مجلس التعاون مقتصرة على النفط والغاز، بل امتدت إلى الاستثمارات السيادية والتجارة العالمية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى مرور نحو 20.9 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات البترولية عبر مضيق هرمز خلال النصف الأول من عام 2025، هذا يؤكد أن أمن الخليج ليس شأنا إقليميا فحسب، بل مصلحة استراتيجية واقتصادية عالمية، وأن دول المجلس أصبحت شريكا مؤثرا في استقرار الاقتصاد الدولي. تحالفات متعددة وأمن خليجي متكامل إن احتمالات انتقال بؤر التوتر إلى شرق آسيا وأوروبا ومناطق أخرى تجعل الاعتماد المفرط على قوة دولية واحدة مخاطرة استراتيجية، رغم استمرار أهمية الشراكة الدفاعية الأميركية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنويع الشراكات الدولية والإقليمية، بالتوازي مع تطوير منظومة دفاع خليجية متكاملة تشمل الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري والسيبراني والصناعات العسكرية المشتركة. فالتحدي لم يعد مقتصرا على امتلاك أحدث الأسلحة، بل يمتد إلى القدرة على دمجها في منظومة دفاعية مشتركة، تضمن سرعة الاستجابة واستدامة العمليات في مواجهة التهديدات المتعددة. ولا ينبغي أن تقتصر هذه الشراكات على الجانب العسكري، بل يجب أن تمتد إلى الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، بما يعزز المصالح المتبادلة والقدرة على منع الصراعات قبل وقوعها. إن التحولات الجيوسياسية الراهنة تفرض على دول مجلس التعاون الانتقال من مجرد الاستفادة من الترتيبات الأمنية الدولية إلى المشاركة الفاعلة في صياغتها، مستندة إلى قوتها الذاتية وثقلها الاقتصادي وموقعها الاستراتيجي. فالمعادلة ليست بين الاستقلال والتحالف، بل في تحقيق استقلال استراتيجي تعززه تحالفات متوازنة ومصالح مشتركة. والهدف ليس أن يبحث الخليج عمّن يحميه، بل أن يمتلك من القوة والتحالفات والمصالح المتشابكة ما يجعل أمنه جزءا لا يتجزأ من الأمن والاستقرار الدوليين.
من «الناتو» إلى تحالف مكة.. دروس في حماية الأمن والمصالح الاستراتيجية أعادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من اعتداءات إيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي وتهديدات للملاحة الدولية، طرح تساؤلات جوهرية
الحدث: تحليل استراتيجي لمستقبل الأمن الخليجي في ظل تغير موازين القوى العالمية.