ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم المهندس احمد العسكر

الماء الذي مات ثلاثة رجال من أجله

كان يستطيع أن يشرب… لكنه سمع أنين رجلٍ آخر، فدفع الماء بعيدًا عن شفتيه. في أحد أيام اليرموك، وبينما كانت المعركة قد تركت خلفها أجسادًا مثقلة بالجراح، كان ثلاثة من المسلمين يحتضرون عطشًا. جاءت قربة ماء إلى أحدهم. كان يستطيع أن يشرب. كانت قطرة واحدة كفيلة بأن تمنحه لحظات أخرى من الحياة. لكنه سمع أنين رجلٍ قريب منه، فأشار إلى صاحب القربة: اذهب إليه… هو أحوج. ذهب الرجل إلى الثاني. وقبل أن يشرب، سمع أنين الثالث. فأشار إليه أن يذهب بالماء إليه. وصل الماء إلى الثالث… لكن القدر كان أسرع. لقد مات. فعاد صاحب القربة إلى الثاني، فوجده قد مات. ثم عاد إلى الأول… فوجده قد مات أيضًا. ثلاثة رجال… وقربة ماء واحدة… وكل واحد منهم اختار أن يمنح فرصة الحياة لغيره. هنا لا تعود الحكاية عن الماء. إنها عن الإنسان حين تُسقط عنه الحياة كل الأقنعة. لا منصب. لا مال. لا شهرة. لا جمهور. فقط عطش… وموت… وإنسان آخر. وفي تلك اللحظة يظهر معدن الإنسان الحقيقي. قال رسول الله ?: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». ولم يكن أولئك الرجال يحبون لأنفسهم ماءً فائضًا، ثم يمنحون منه بعضه لغيرهم. كان الماء قليلًا…والحياة قليلة…والوقت أقصر من أن يحتمل التضحية. ومع ذلك، اختار كل واحد منهم أن يجعل أخاه أولى بما كان يمكن أن ينقذه هو. وهنا يصبح الإيثار في أصفى صوره: أن تؤثر غيرك بشيء أنت في أشد الحاجة إليه. ولذلك يبدو بيت المتنبي كأنه يلتقط جوهر المشهد: وأطلبُ العزَّ في الإيثارِ مجتهدًا إنَّ الكرامَ إذا ما أيسروا آثروا فليس الإيثار أن تعطي حين تمتلئ يداك، وإنما أن تعطي حين تكون يدك محتاجة إلى ما فيها. هناك، تحديدًا، يظهر الفرق بين الكرم والإيثار: الكرم أن تعطي من فائضك… أما الإيثار فأن تعطي من حاجتك.

ملخّص قياس

تضحية ثلاثة رجال بالماء من أجل إنقاذ الآخرين حتى الموت

آخر الأخبار المصدر الأصليّ أهم أخبار الكويت اليوم
تم نسخ الرابط ✓