حين سألتُ قياديةً في الأمم المتحدة عن أزمة الثقة بالمنظمة!
تمر الأمم المتحدة اليوم بواحدة من أصعب مراحلها منذ تأسيسها قبل أكثر من ثمانين عاماً، إذ لم تعد أزمتها مقتصرة على التمويل أو البيروقراطية أو ضعف فاعلية بعض مؤسساتها، بل امتدت إلى صورتها الذهنية ومصداقيتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. ولعل الحرب على غزة كانت من أبرز الأحداث التي كشفت حجم هذه الأزمة، وأعادت طرح ذات الأسئلة المؤلمة حول ازدواجية المعايير وسطوة حق النقض في مجلس الأمن، وحدود القانون الدولي، وقدرة الأمم المتحدة على حماية المدنيين وإنفاذ قراراتها! أتذكر خلال مشاركاتي في اجتماعات الأمم المتحدة، أنني أثرت هذه الإشكالية أكثر من مرة، حتى على مستويات رفيعة، ومن بين تلك المواقف حديثي مع السفيرة التشيلية باولا نارفايز Paula Narv?ez، أثناء رئاستها للمجلس الاقتصادي والاجتماعي (ECOSOC)، حيث سألتها عن مدى إدراك قيادات الأمم المتحدة للصورة السلبية المتنامية عن المنظمة، خصوصاً في ظل ما يجري في غزة، وما يراه كثيرون من تناقض بين المبادئ المعلنة والممارسات الدولية، وكان ردها مصحوباً بإيماءات تكشف شعورها بهذه الإشكاليات والتحديات، وكشفت عن نقاشات جادة لإصلاح المنظمة الأممية. واليوم، تتزايد الضغوط على الأمم المتحدة، بما فيها أزمتها المالية التي ساهمت فيها سياسات الإدارة الأميركية في عهد الرئيس ترامب، ولا سيما تقليص التمويل وتأخر سداد الالتزامات، لكن من الخطأ اختزال أزمة الأمم المتحدة في التداعيات المالية فقط؛ فهناك مشكلات مؤسسية وسياسية متراكمة تستوجب مراجعة حقيقية، من آليات اتخاذ القرار وحق النقض، إلى تعقيد الإجراءات، وتداخل الاختصاصات، وكفاءة الإنفاق والمساءلة، وتمتد هذه الإشكالية إلى إخضاع طلبات المنظمات غير الحكومية للحصول على الصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي لتجاذبات سياسية قد تعرقل قبولها وتحدّ من حضور صوت المجتمع المدني؛ بما يعكس تغوّل الاعتبارات السياسية على معايير الأهلية، ويثير تساؤلات حول اتساق القرارات وشفافيتها وعدالة إتاحة المشاركة. ولذلك أرى أن مبادرات إصلاح الأمم المتحدة، بما فيها مبادرة «الأمم المتحدة 80»، ليست ترفاً إدارياً، بل إنها تمثل ضرورة لاستعادة الفاعلية والثقة، غير أن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على تخفيض الميزانيات وإعادة الهيكلة؛ فالأمم المتحدة تحتاج أيضاً إلى إصلاح سياسي وأخلاقي يعيد الاعتبار إلى مبادئ المساواة والعدالة وحماية الإنسان، ويجعل المساءلة والشفافية جزءًا من ثقافتها المؤسسية. ومع كل هذا النقد، أستحضر ما قالته رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وزيرة الخارجية الألمانية السابقة أنالينا بيربوك Annalena Baerbock «لن يكون العالم، بأي حال من الأحوال، أفضل حالًا من دون الأمم المتحدة. إنها منظمة تستحق النضال من أجلها»! وهنا تكمن المفارقة، فنحن حين ننتقد الأمم المتحدة فإننا نفعل ذلك لحاجتنا إليها، لا لأننا نريد الاستغناء عنها؛ فرغم كل إخفاقاتها، فإن العالم لا يملك بديلاً جاهزاً لمنظومة تجمع دوله لمواجهة الحروب والأوبئة والفقر والكوارث الإنسانية. إن الدفاع الحقيقي عن الأمم المتحدة لا يكون بتبرير أخطائها، كما أن المطالبة بإصلاحها لا تعني الدعوة إلى هدمها، وما بين هذين الموقفين، أعتقد أن استعادة الثقة تبدأ بالاعتراف الصريح بالأخطاء، والإصلاح الجاد، والاقتراب من الشعوب التي أُنشئت هذه المنظمة أصلًا لخدمتها. وربما لا يكون السؤال «هل يستطيع العالم الاستغناء عن الأمم المتحدة؟» هو الأهم اليوم بل كيف يمكن أن نستعيد الأمم المتحدة التي يحتاج إليها العالم ويثق بها؟.
نقد مؤسسي ودعوة للإصلاح