القانون يصنع الثقة والثقة تستقطب الاستثمار
الصديق الحكيم في أحد أحاديثي مع صقر، دار بيننا حديث عن الاستثمار الاجنبي، وكيف تختار رؤوس الأموال وجهتها بين الدول، ولماذا تنجح بعض الدول في استقطاب الاستثمارات والمحافظة عليها؟ قال صقر: أليس الهدف الأول للمستثمر هو تحقيق الأرباح؟ فلماذا نعطي القانون كل هذه الأهمية؟ قلت له: بالتأكيد، فالربح هو الدافع الأساسي لأي نشاط استثماري، لكن المستثمر لا يبحث عن الربح وحده، إنه يبحث أيضاً عن الاطمئنان إلى مستقبل امواله ومشروعه، يريد أن يعرف القواعد التي تحكم نشاطه، والحقوق التي يتمتع بها، والالتزامات التي يتعين عليه الوفاء بها. قال صقر: وهل يكفي أن تضع الدولة قانونا خاصا بالاستثمار حتى تصبح جاذبة للمستثمرين؟ قلت: ليس بالضرورة، فالمستثمر لا يتعامل مع قانون واحد، بل مع منظومة قانونية متكاملة، فهو يحتاج الى قواعد واضحة تنظم التراخيص، وملكية العقارات والعمل والضرائب والعقود التجارية، ووسائل تسوية المنازعات عند نشوء الخلاف. قد يكون قانون الاستثمار مشجعاً، لكن الثقة تتكون ايضاً من خلال بقية القوانين والاجراءات التي يواجهها المستثمر في تعامله اليومي. قال صقر: وماذا عن الحوافز والتسهيلات التي تقدمها الدول لجذب رؤوس الأموال؟ قلت: لاشك أنها عوامل مهمة، وقد تكون سبباً في توجيه المستثمر إلى دولة دون أخرى، لكن الحوافز قد تفتح الباب أمام المستثمر، أما الثقة فهي التي تشجعه على البقاء. فهو لا يريد أن يعرف ما الذي سيحصل عليه عند دخول السوق فحسب، بل يريد أن يعرف أيضاً ما الذي ينتظره بعد ذلك، وكيف ستدار علاقته بالجهات المعنية، وما الضمانات القانونية المتاحة لحماية حقوقه المشروعة. قال صقر: وهل يعني ذلك أن تكون مصلحة المستثمر مقدمة على مصلحة الدولة؟ قلت: على العكس تماماً، فالاستثمار الناجح لا يقوم على تغليب مصلحة طرف على الآخر، وانما على تحقيق التوازن بينهما، للدولة مصالحها وحقوقها وسيادتها في تنظيم شؤونها الاقتصادية، وللمستثمر في المقابل حقوق والتزامات تحكمها القوانين والعقود، وعندما تكون هذه العلاقة واضحة ومتوازنة يصبح الاستثمار منفعة مشتركة. قال صقر: ولكن القوانين تتغير مع تطور الحياة والاقتصاد، ألا يؤثر ذلك في ثقة المستثمر؟ قلت: من الطبيعي أن تتطور القوانين لمواكبة المتغيرات، والاستقرار القانوني لا يعني بقاء النصوص ثابتة إلى الابد، بل أن يكون تطويرها مدروساً وواضحاً، مع مراعاة الحقوق والمراكز القانونية والالتزامات القائمة، فالمشكلة ليست في تطور القانون، وإنما في غموض القواعد أو تعذر توقع آثارها. قال صقر: وماذا عن الشفافية؟ نسمع كثيراً أنها من عوامل جذب الاستثمار. قلت: لأنها تمنح المستثمر صورة واضحة عن البيئة التي سيدخلها، تخيل أن يتقدم بطلب لانشاء مشروع، وهو لا يعرف الاجراءات المطلوبة، أو المدة المتوقعة، أو المعايير التي سيبنى عليها القرار، إن وضوح الاجراءات وسهولة الوصول الى المعلومات وتكافؤ الفرص، ونزاهة التعامل، كلها عناصر تعزز الثقة. ويضاف الى ذلك وجود رقابة فاعلة، وقواعد لمكافحة الفساد، ووسائل واضحة وعادلة لتسوية المنازعات، فهذه الضمانات تجعل العلاقة بين الدولة والمستثمر قائمة على أسس قانونية ومؤسسية مفهومة. قال صقر: ومتى نستطيع القول أن الدولة نجحت فعلاً في جذب الاستثمار؟ قلت: عندما لا يقتصر النجاح على دخول الأموال، بل يمتد الى استمرار المشروعات وتوسعها وتحقيق نتائج ملموسة، فالاستثمار ليس مجرد أرقام في الاحصاءات، بل يمكن أن يكون مصدراً لفرص العمل، ونقل الخبرات، وتطوير الصناعات وتحريك الأسواق، وزيادة الدخل. وهنا تتحقق الغاية الأهم: أن يصبح الاستثمار شريكاً في التنمية، وأن تعود ثماره على الدولة والمستثمر والمجتمع. صمت صقر قليلاً: ثم قال: الان فهمت، فنجاح البيئة الاستثمارية لا يقاس بالحوافز التي تقدمها فقط، بل بالثقة التي تبنيها. قلت له: نعم يا صقر، فالقانون ليس مجرد نصوص تنظم العلاقات، بل هو أحد الأسس التي تقوم عليها الثقة بين الدولة ومن يتعامل معها.
نقاش حول أهمية البيئة القانونية للاستثمار