ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم المحامي ناصر الحجيلان

توجيه التبرعات والصدقات داخل الكويت من انتظار المحتاج إلى البحث عنه وحفظ كرامته

تُعرف الكويت منذ عقود بأنها بلد الخير والعطاء وقد رسخ أهلها ثقافة التكافل الاجتماعي ومساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف وأصبح العمل الخيري جزءاً أصيلاً من شخصية المجتمع الكويتي، ومع اتساع العمل الخيري وتعدد مجالاته تبرز اليوم أهمية إعادة النظر في طريقة توجيه جزء من التبرعات والصدقات نحو المحتاجين داخل الكويت والتأكيد على أن تكون هناك منظومة أكثر فاعلية للوصول إلى من يحتاج قبل أن يضطر إلى طلب المساعدة، فليس كل محتاج يستطيع أن يطرق باب جمعية خيرية وليس كل أسرة تمر بضائقة مالية قادرة على الإعلان عن ظروفها وهناك أسر متعففة تفضل الصمت وتحمل ظروفها حفاظاً على كرامتها وخصوصيتها. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من مفهوم انتظار المحتاج إلى البحث عنه، وبيت الزكاة له دور أكبر في الداخل، إن تعزيز دور بيت الزكاة في توجيه التبرعات والصدقات داخل الكويت يمكن أن يسهم في بناء منظومة أكثر تنظيماً للوصول إلى الأسر والأفراد الذين يحتاجون إلى الدعم ويمكن العمل على تطوير آليات للتعرف على الحالات المحتاجة بالتعاون مع الجهات الحكومية والمؤسسات الاجتماعية والجمعيات الخيرية مع المحافظة التامة على سرية المعلومات وخصوصية الأسر، فالفكرة ليست أن يعرف الناس من هو المحتاج وإنما أن تكون هناك جهة مختصة تستطيع الوصول إليه دون أن يضطر إلى إعلان حاجته وهذه من أرقى صور العمل الخيري، التعليم حق لا ينبغي أن يتوقف بسبب المال، من أهم المجالات التي تستحق أن تحظى باهتمام أكبر التعليم، فقد يكون هناك طالب متفوق أو شاب لديه طموح وقدرة على مواصلة دراسته لكنه يواجه ظروفاً مالية حالت دون إكمال تعليمه. وهنا يمكن للعمل الخيري أن يكون سبباً في تغيير حياة إنسان كاملة مساعدة طالب على إكمال دراسته ليست مجرد مساعدة مالية وإنما هي استثمار في مستقبله ومستقبل أسرته ومجتمعه. وقد تكون هناك أسرة لا تستطيع تحمل تكاليف الدراسة أو طالب اضطر إلى التوقف عن التعليم بسبب ضائقة مالية وهؤلاء يستحقون أن تصل إليهم يد الخير قبل أن تتحول الظروف المؤقتة إلى انقطاع دائم عن التعليم، العلاج لمن ضاقت به الوسيلة، كذلك يأتي العلاج في مقدمة المجالات التي يجب أن تحظى باهتمام العمل الخيري داخل الكويت، فالمرض لا ينتظر والإنسان قد يجد نفسه أمام تكاليف علاج أو أدوية أو احتياجات صحية لا يستطيع تحملها، وقد يكون الشخص قادراً على العمل والإنتاج ثم يأتي المرض ليغير حياته وحياة أسرته، وهنا يمكن للتبرعات والصدقات أن تؤدي دوراً مهماً في مساعدة المرضى الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج أو الذين ضاقت بهم الوسيلة بسبب ظروفهم المالية. والأهم أن تتم هذه المساعدة بسرية تحفظ للمريض خصوصيته وكرامته، عندما يمنع المرض الإنسان من العمل، هناك حالات أخرى لا تقل أهمية وهي الأشخاص الذين انقطعوا عن أعمالهم بسبب مرض أو عجز أو ظرف صحي طارئ. فقد يكون الإنسان هو المعيل الوحيد لأسرته ثم يتعرض لمرض يمنعه من العمل لفترة طويلة فتتوقف معه مصادر الدخل وتتراكم الالتزامات وتبدأ الأسرة في مواجهة ظروف صعبة، هذه الحالات تحتاج إلى منظومة تستطيع اكتشافها ومساعدتها في الوقت المناسب، وقد تكون المساعدة مؤقتة حتى يعود الشخص إلى عمله أو حتى يجد مصدراً مناسباً للدخل، فالعمل الخيري لا ينبغي أن يكون فقط لسد الحاجة الآنية وإنما يمكن أن يكون وسيلة لمساعدة الإنسان على الوقوف من جديد على قدميه. الضائقة المالية قد تصيب أي إنسان ، الظروف المالية الصعبة ليست بالضرورة نتيجة فقر دائم فقد يمر الإنسان بضائقة بسبب فقدان العمل أو المرض أو تراكم الالتزامات أو ظروف أسرية طارئة. وقد يكون شخص يعيش حياة مستقرة لسنوات ثم يجد نفسه فجأة أمام أزمة مالية لا يستطيع التعامل معها، ولهذا يجب ألا يكون مفهوم المحتاج محصوراً في الفقير فقط وإنما يشمل كل من ضاقت به الوسيلة وأصبح عاجزاً عن تلبية احتياجات أساسية أو تجاوز ظرف استثنائي من يسأل إلى من يحتاج، ربما نحتاج اليوم إلى تغيير بسيط في طريقة التفكير، بدلاً من أن يكون السؤال، من تقدم بطلب للمساعدة؟ يكون السؤال من يحتاج إلى المساعدة؟ فالفرق كبير، الأول ينتظر المحتاج. أما الثاني فيبحث عنه، والكويت لديها الإمكانات وأهل الخير والمؤسسات والخبرة التي تجعلها قادرة على تطوير نموذج متقدم في العمل الخيري يحافظ على كرامة الإنسان ويصل إلى المحتاج في الوقت المناسب. إن توجيه جزء أكبر من التبرعات والصدقات إلى الداخل وتنظيم عملية الوصول إلى المحتاجين والمتعففين ودعم التعليم والعلاج ومساندة من انقطع عن عمله بسبب المرض أو العجز أو الضائقة المالية لا يعني تقليل الخير وإنما يعني تعظيم أثره، فقد تكون صدقتك سبباً في أن يكمل طالب دراسته، وقد تكون سبباً في علاج مريض، وقد تكون سبباً في أن تعود أسرة إلى الاستقرار بعد أن فقد معيلها عمله، وقد تكون سبباً في أن يبدأ إنسان من جديد، فالخير الحقيقي ليس فقط أن نعطي من يطلب بل أن نبحث عمن يستحق ولا يستطيع أن يطلب. وهنا تكون الصدقة أكثر أثراً ويكون العمل الخيري أكثر تنظيماً ويصبح التكافل الاجتماعي واقعاً يلمسه الإنسان قبل أن يضطر إلى إعلان حاجته.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓