ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم د. عبدالرحمن أباذراع

«خلك واقعي»

في دهاليز النفس البشرية، ينشأ أحياناً صراع صامت بين ما هو كائن وما نتمنى أن يكون. نغرق في رسم معالم مستقبل واهم، ونفرط في رفع سقف توقعاتنا تجاه الحياة والآخرين، لنجد أنفسنا في النهاية أسرى خيبة أمل صنعناها بأيدينا. الابتعاد عن الواقع ليس مجرد هروب عابر، بل هو آلية دفاع نفسية مضللة. نلجأ إليها للهرب من مرارة اللحظة الحاضرة، فنبني قصوراً من الأوهام فوق رمال متحركة. وكلما ارتفع سقف التوقع دون رصيد من العمل والواقعية، كان السقوط أكثر إيلاماً. تذكرني هذه الحالة بقصة ذلك الرجل الذي عاش طوال حياته يجمع أوراق اليانصيب ويحلم باللحظة التي سيصبح فيها مليونيراً. أهمل عمله، وزهد في علاقاته، وعاش مغترباً عن حاضره منتظراً «معجزة غد». وعندما أدركه المشيب، اكتشف أنه أضاع العمر الحقيقي في انتظار حياة لم تبدأ بعد، ليجد نفسه صفر اليدين من الماضي والحاضر. وكما يقول المثل العربي الشهير: «من راقب الناس مات هماً، ومن راقب السراب مات عطشاً»؛ فإن الغرق في الأوهام لا يطعم جائعاً ولا يبني مستقبلاً. وقد لخص أبو الطيب المتنبي هذا الشتات النفسي بين الأماني والواقع ببراعة حين قال: وَمَا نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا لفتة نفسية الواقعية ليست تصالحاً مع التعاسة أو قتلاً للأحلام، بل هي الشجاعة النفسية لمواجهة الحياة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون. عندما تخفض سقف توقعاتك وتركز على الخطوة التي بين يديك الآن، فإنك تحمي عقلك من التشتت، وتمنح نفسك القوة لتحويل الحاضر البسيط إلى مستقبل حقيقي، لا وهمي. خلك واقعي.. فعشاق السراب لا يرتوون أبداً.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓