ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم جمال الحمود

المسؤول الناجح في الكيان المهني

في الكيانات المهنية، قد يكون أصعب التحديات أن يتولى القيادة من لا يمتلك أدواتها، فيصبح المنصب أكبر من قدرته، والصلاحيات أوسع من رؤيته. وعندما يعجز القيادي عن اتخاذ القرار، أو يخشى الكفاءات، أو لا يتحمل نتائج قراراته، تتحول القيادة من مسؤولية لصناعة النجاح إلى عبء يعيق تطور المؤسسة. فالقيادة ليست منصباً يُمارس من خلف المكتب، وإنما قدرة على الرؤية والقرار وتحمل المسؤولية. لا يكفي أن يتولى الإنسان منصباً قيادياً حتى يصبح قائدًا، فالمناصب قد تمنح الصلاحيات، لكنها لا تصنع بالضرورة شخصية قيادية. والفرق كبير بين مسؤول يدير العمل من خلال سلطته، وقيادي يقود العمل من خلال رؤيته، وقدرته على التأثير، وتحفيز الآخرين، وصناعة الإنجاز. نأخذ نفساً عميقاً المسؤول الناجح هو الذي يدرك أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن الصلاحيات التي مُنحت له ليست امتيازاً شخصياً، وإنما أمانة يجب أن يوظفها لمصلحة المؤسسة، وهو الذي يعرف متى يستمع، ومتى يقرر، ومتى يستعين بأهل الاختصاص، ومتى يتحمل مسؤولية قراره دون أن يبحث عن شماعة يعلق عليها أخطاءه. والقيادي الحقيقي لا يخشى الكفاءات من حوله، بل يبحث عنها ويحتضنها ويفتح لها المجال. فهو لا يحتاج إلى فريق يردد ما يريد سماعه، وإنما إلى فريق يستطيع أن يختلف معه بالرأي، ويناقشه بالحجة، ويضع أمامه الحقائق التي تساعده على اتخاذ القرار الصحيح. فالقائد الواثق لا يخاف من الرأي الآخر، بل يرى فيه فرصة لتصحيح المسار. ومن أهم صفات المسؤول الناجح أن يفصل بين علاقاته الشخصية ومصلحة الكيان الذي يديره، وأن تكون معاييره في الاختيار والتكليف مبنية على الكفاءة والقدرة والإنجاز، لا على القرب والمجاملة. فالمؤسسات المهنية لا تبنى بالمحسوبيات، ولا تستمر بالعلاقات الشخصية، وإنما تنجح عندما يكون معيارها الأول هو الكفاءة، ومعيارها الأخير هو الإنجاز. والقيادي الناجح لا يعيش على إنجازات الماضي، ولا يكتفي بإدارة الواقع كما هو، بل ينظر دائماً إلى المستقبل، ويبحث عن التطوير، ويستشرف التحديات قبل وقوعها، ويهيئ المؤسسة لمتغيرات المرحلة القادمة. والأهم من ذلك كله، أنه يعمل على بناء صف ثانٍ قادر على تحمل المسؤولية والاستمرار في العمل. فالقيادي الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد من يمدحونه، ولا بعدد السنوات التي بقي فيها في منصبه، وإنما بما يتركه من أثر. ونجاح المسؤول ليس أن تبقى المؤسسة مرتبطة به، بل أن يستطيع من يأتي بعده أن يجد مؤسسة أكثر قوة وتنظيماً وكفاءة مما كانت عليه عندما تسلم مسؤوليتها. تلك هي القيادة التي تصنع المؤسسات، لا القيادة التي تصنع الأشخاص.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓