التربية مسؤولية مشتركة
لا يمكن اختزال مسؤولية التربية في الوالدين أو فيمن يتولى رعاية الأبناء، أو اعتبار كل سلوك سلبي يصدر عنهم دليلًا على تقصير أسري، فالتربية عملية معقدة ومستمرة، تتداخل فيها مؤثرات وعوامل متعددة داخل الأسرة وخارجها. فالأصدقاء والزملاء والبيئة المحيطة، ومواقع التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، والتطبيقات، ووسائل الإعلام، والمسلسلات والأفلام، والبرامج المختلفة على شاشات الفضائيات، أصبحت جميعها مؤثرات تربوية حقيقية تشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل وعي الأبناء وسلوكهم وقيمهم. والخطورة تكمن في أن بعض هذه المؤثرات لا ينسجم مع القيم الأخلاقية والتربوية، بل قد يسهم في إضعاف منظومة الأسرة التي تمثل النواة الأولى لبناء مجتمع متماسك ومستقر. ومن هنا، فإن تفسير المشكلات الأسرية أو السلوكيات الطلابية من زاوية «قصور الأسرة» فقط يمثل قراءة سطحية للواقع، فبعض المشكلات التي تبدأ بأسباب بسيطة قد تتطور إلى اضطراب في العلاقات الأسرية وعدم استقرار نفسي واجتماعي، وقد تصل إلى الطلاق وتفكك الأسرة. كما أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في طلب المشورة الزوجية أو الأسرية يطرح سؤالًا تربويًا مهمًا: هل يمكن للتقنية أن تحل محل الحوار الإنساني والخبرة المتخصصة؟ قد تكون أدوات الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلًا عن المختصين في القضايا الأسرية والنفسية المعقدة. وبالمثل، فإن مشاجرة طالب أو طالبة في المدرسة لا تعني بالضرورة قصورًا في التربية المنزلية، فقد يكون السلوك نتاج عوامل خارجية متعددة. لذلك، فإن معالجة السلوكيات والمشكلات التربوية تتطلب تجاوز ثقافة إلقاء اللوم، والنظر إلى التربية باعتبارها مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام والبيئة الرقمية، فالأبناء لا يتربون داخل أسوار المنزل فقط، وإنما يتشكل وعيهم من كل ما يحيط بهم. ودمتم ،،،