«.. ورحـل بـويعقـوب العـم والأب»
أبدأ مقالي اليوم بالآيتين الكريمتين من سورة الرحمن (26، 27) بسم الله الرحمن الرحيم - كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ - صدق الله العلي العظيم ) والمعنى والتفسير المبسط للآيتيين الكريمتين ان جميع من على وجه الأرض من الإنس والجن والحيوانات وكل ما عليها هالكون ميتون لا محالة، ويبقى الله سبحانه وتعالى وحده وهو الحي الذي لا يموت أبدا ولا يبقى شيء من المخلوقات سواه، وذو الجلال والإكرام تصف الله تعالى بأنه صاحب العظمة والكبرياء والجلال الذي يستحق أن يُجل فلا يُعصى وهو وحده صاحب الفضل والإكرام لخلقه كافة، وناعيا ومعزياً نفسي برحيل العم الأب الحاج يوسف علي كمال - بويعقوب رحمه الله وجعل الجنة مثواه، وقف الزمن للحظة وفي يوم الخميس الموافق 1/10/2026م مع ذلك الاتصال الذي جاءني في الساعة 3 عصرا يقول (ان الحجي مات) وكان خبرا صادماً لي شخصيا ولكنه أمر العلي القدير ولا راد لأمره. ومع كل مراسم وإجراءات الجنازة والدفن والعزاء والعدد الكبير من المعزين والشكر لهم جميعاً، ولكن هذا كله لم يُزل او يبعد غصة الفراق التي ستكون بيني وبين الراحل بويعقوب بعد مسيرة تزيد على الـ40 عاماً معه -رحمه الله- حيث كان العم الكبير والأب الجليل لولد يبدأ حياته بفقد الجد الغالي عليه والمربي له رحمه الله، وكان لقاء البداية مع بويعقوب بعد 6 اشهر اكثر او اقل سائلا لي هل تعتقد أن جدك -رحمه الله- يبيك تقعد في البيت؟ جدك كان يبيك رجل يفتخر فيك بين الناس ولهذا راح اخذك وتكون معي في كل جولاتي الاجتماعية حتى تصقل وتتعلم علم الرجال وتكون رقماً بارزاً في المجتمع الكويتي، وكان بعد الله هو بويعقوب رحمه السند والاب والمعلم لولد لم يتجاوز الـ16 عاماً، وإن تساءلنا مَنْ هو العم والاب المرحوم يوسف علي كمال نجد الاجابة هو أحد الشخصيات البارزة والرجالات المشهود لهم في العمل العام والبلدي في دولة الكويت وهو عميد عائلة «كمال» الكويتية، ويعد من أبرز وجوه العمل البلدي في الكويت خلال العقد الـ7 من القرن الماضي، حيث أسهم بشكل فاعل في التخطيط والتطوير العمراني في تلك الحقبة كونه كان عضوا بالمجلس البلدي عام 1972م حيث شارك بالعديد من القرارت التنظيمية والتطويرية لمدينة الكويت وأعيد انتخابه وتجديد الثقة به لعدة دورات متتالية، وكان له بصمة بالعمل الاجتماعي والخيري وعُرِف عميداً لعائلة كمال ومرجعية للعائلة، وكان ديوانه مركزا اجتماعيا وثقافيا بارزا يلتقي فيه رجالات الكويت والشيوخ والنواب والمسؤولين والمواطنين من جميع ألوان وأطياف المجتمع الكويتي لتناول الأحاديث والآراء بالقضايا الاجتماعية والمحلية، وكان للفقيد بويعقوب العديد من المساهمات بالاعمال الخيرية والاجتماعية والثقافية، حيث عرف بدعمه للأنشطة الثقافية والاجتماعية في البلاد وهو من عمل على تأسيس (الجمعية الثقافة الاجتماعية) في الكويت بالعقد الـ6 من القرن الماضي، ورحمه الله هو مالك إحدى أشهر المزارع التاريخية في منطقة الوفرة والتي كانت ملتقى عائليا واجتماعيا بالعقدين الـ8 والـ9 من القرن الـ20 الماضي وكانت البوابة الرئيسة للدخول تحمل عبارة «الملك لله وحده» وكان الراحل احد ابرز العاملين في النشاط الزراعي بالبلاد ومن أوائل من آمنوا ان العمل الزراعي شيء مهم جدا للكويت واهلها، وبعد مسيرة عملية واجتماعية استمرت 90 عاماً في تاريخ الكويت أقول اليوم رحمك الله يا عمي وأبي المعلم كفيت ووفيت لوطنك وأهلك ولعائلتك ولكل شخص عرفك وعمل معك، واقول يا بويعقوب كنت ابا لي بعد جدي وابي وكنت معلما وخير مربي لي ومدرسة تعلمت منها الكثير وهذا كله فضل لله سبحانه وتعالى ولك رحمك الله، وفراقك صعب علي ولكن سيرتك الطيبة والعطرة هي العلاج والترياق الذي يخفف ألم الرحيل عني وعن اهل وطنك فجزاك الله كل خير عني وعن اي عمل خير وطيب قمت فيه. وبالختام اقول اني اقف أمام فاجعة الفقد وأمام رحيل رجل لم يكن مجرد ناقل للعلم بل كان صانعا للإنسان ومهندسا للأخلاق ومعلما للروح قبل العقل، لقد رحل من كان يزرع فينا بذور المعرفة ويرويها بالصبر والحب حتى أينعت ثمارها في قلوبنا وعقولنا ورحل من كان يعلمنا أن العلم بالشيء رسالة لمن هم بعدنا وأن حب الوطن والارض أمانة، وأن حياة تعاش من أجل الآخرين، وكان يمنحنا من نفسه قبل وقته. كان يبتسم في وجهي عند نجاحي ويشدّ على يدي حين أتعثر ويذكرني دائما أن الإنسان يقاس بما يتركه من أثر لا بما يملكه من مال أو جاه، واليوم وانا انعي رحيله عن هذه الدنيا الفانية فإن قلبي قد فقد سندا من أعمدتها وكيف لا أحزن وقد رحل من كان يضيء لي الطريق بكلمة ونصيحة ويهذبني بنظرة ويقوّمني في ابتسامة، ولكن عزائي أنه ترك لي إرثا هو علم انتفع به وقيما اعيش بها وذكريات لا تموت سيبقى أثرها بداخلي ما حييت وسيبقى اسمه محفورا في قلبي وعقلي لأن رحيله هو فقدان لا يعوض، وهنا ارفع أيدي بالدعاء أن يتغمده الله برحمته الواسعة وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة وأن يجزيه عني خير الجزاء وأن يجمعنا به في جنات النعيم ورحمك الله يا عمي وابي يوسف علي كمال وجعل مثواك الفردوس الأعلى وجعل علمك صدقة جارية تنير لك ولنا ليوم الدين، والحين اقول ربي يحمي الكويت وأميرها وشعبها من كل ضرر وشر ويجعل قبر بويعقوب روضة من رياض الجنة، ولا يصح إلا الصحيح.