ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم محمود الليبي

عندما يتحول التاريخ من درس إلى تمجيد

ليست كل التواريخ التي تمر على الشعوب جديرة بالاحتفال، وليست كل الأيام التي غيرت مجرى التاريخ انتصارات تستحق التمجيد. فهناك أيام ينبغي أن تبقى في الذاكرة، لا لكي نحتفل بها، بل لكي نتعلم منها حتى لا تتكرر مآسيها. في عالمنا العربي، تحولت بعض التواريخ المرتبطة بالحروب والانقلابات والصراعات والدمار إلى مناسبات للتمجيد، وكأن مرور الزمن قادر على تحويل المأساة إلى إنجاز. نحتفل أحيانا باليوم، وننسى أن نسأل ماذا حدث بعده؟ كم إنسانا فقد حياته؟ كم أسرة تشردت؟ كم مدينة دمرت؟ وكم عاما احتاجت الشعوب لتدفع ثمن ذلك اليوم؟ ولنا في أحداث العقود الماضية أمثلة كثيرة، من تواريخ الانقلابات والصراعات الداخلية، إلى غزو الكويت، وإلى أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من حرب ودمار ومأساة إنسانية هائلة. قد تختلف الروايات السياسية حول أسباب هذه الأحداث وتوصيفها، لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تختلف عليها الإنسانية هي أن سقوط الضحايا وتدمير المدن وتشريد المدنيين ليس إنجازا يحتفل به. المشكلة ليست في أن نتذكر تلك الأيام؛ بل في كيف نتذكرها. التاريخ الذي قتل أبناء الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لتوريث الكراهية، والتاريخ الذي دمر المدن لا ينبغي أن يقدم للأجيال باعتباره مجدا، والتاريخ الذي نقل الشعوب من حال أفضل إلى حال أسوأ لا ينبغي أن يعاد تقديمه على أنه انتصار لمجرد أن طرفا سياسيا انتصر في لحظة ما. فالانتصار الحقيقي ليس في إسقاط مدينة، ولا في إقصاء خصم، ولا في السيطرة على السلطة، ولا في رفع الشعارات فوق أنقاض الدول. الانتصار الحقيقي هو أن ينتقل الإنسان من الخوف إلى الأمان، ومن الفقر إلى التنمية، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن الضعف إلى بناء دولة قوية تحفظ كرامة مواطنيها. ولذلك فإن أعظم التواريخ في وجداننا هي تلك التي ارتبطت بالنور والهداية والبناء. ليلة القدر مثلا ليست عظمتها في كونها مجرد تاريخ، بل في الرسالة التي حملتها للبشرية: إنا أنزلناه في ليلة القدر. وكذلك فتح مكة، بما حمله من تحول تاريخي من الصراع إلى مرحلة جديدة من بناء المجتمع والدولة. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى المجد في ذاكرتنا العربية. ليس كل من انتصر في معركة قد صنع مجدا، وليس كل يوم غير التاريخ يستحق أن نحتفل به. فلنعلّم أبناءنا أن التاريخ مدرسة لا منصة للتقديس، وأن نتذكر الأيام السوداء حتى نفهم أسبابها ونتجنب تكرارها، لا حتى نورث أبناءنا خصوماتها وأحقادها. فالأمم الحية لا تمجد أنقاضها، بل تتعلم من أنقاضها. ولا تقيس عظمتها بعدد من قتلوا في صراعاتها، بل بعدد من أنقذت حياتهم، وبما بنته لأجيالها، وبالمستقبل الذي صنعته لأبنائها. إن أردنا مستقبلا أفضل للعالم العربي، فعلينا أن نتوقف عن تمجيد الأيام التي صنعت الدمار، وأن نبدأ بتمجيد الأيام التي صنعت الإنسان.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓