الفقد عزيز والمصاب جلل.. #عمر_ذعار_أبورقبة
لم يكن بالأمر الهين أن تفقد أخاك ورفيق دربك، الذي عايشته في كل لحظات عمرك معه، ولم يكنّ أخاً فقط، بل كان صديقاً قريباً مني منذ طفولتي إلى أبعد الحدود.. كان حاضراً منذ الصغر في شتى محطات حياتي، في البيت والشارع والمدرسة والنادي وحتى السفر، وازداد حضوره 33 عاماً طيلة مرضه عند كل محطة أتوقف عندها، وعند كل ذكرى عابرة أمر بها.. واستمر حضوره الذهني والفكري والنفسي معي دون أن يعلم به أحد إلا الله، حيث يربطني معه توافق كبير في الرأي والتفكير، كما يربطني معه الكثير من الأحاسيس والمشاعر التي نذكرها معاً في حينها، وتتوارد الخواطر على شكل توأمة غير معلنة، ولكنه القدر المكتوب والذي نؤمن به، وعزائي أنني تعلمت منه الكثير من الصبر والحكمة، وأتذكر إيمانه الكبير بالقدر عندما قال: «قدر الله وما شاء فعل.. كلمات وبها الفكر افتعل» وهي مطلع لقصيدة فقيدنا الغالي لا تحضرني الآن قالها بعد حادثه الأليم.. لذلك علينا أن نعي أن بعض الأقدار لا تأتي لتغيّر حياتنا كلها، بل لتغيّر زاوية واحدة نرى منها الحياة.. قد يأتي المرض أو الألم، أو ظرف صحي قاسٍ، فنظن في البداية أنه أخذ منا الكثير، وأن الحياة لم تعد كما كانت في السابق، لكن مع مرور الأيام نتعلم أن بعض الأقدار لا تُقاس بما تغيّره في حياتنا، بل بما تغيّره في داخلنا.. فالصبر على المعاناة ليس أمراً سهلاً، وتحمل الظروف الصحية الصعبة يحتاج إلى قوة لا يراها الآخرون، ومع ذلك قد تعلّمنا تلك الظروف أن نُقدّر أشياء كنا نعتبرها عادية: يوماً هادئاً خطوة نخطوها دون ألم، جلسة مع من نحب، أو لحظة نشعر فيها بالراحة والارتياح.. قد لا نستطيع تغيير ما كُتب لنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف ننظر إليه، فالصبر لا يعني أن الإنسان لا يتألم، بل يعني أنه رغم الألم يستمر ورغم التعب يتمسك بالأمل، ورغم قسوة الظروف يؤمن بأن الله أرحم به من كل شيء.. وربما يكون أجمل ما تمنحه لنا بعض المحن أنها لا تغيّر حياتنا فحسب، بل تعيد ترتيب أولوياتنا من حولنا، وتكشف لنا قيمة النعم، وتمنحنا قلباً أكثر صبراً ونظرة أكثر عمقاً، وإيماناً بأن وراء كل قدر حكمة وإن لم نفهمها في حينها.. فبعض الأقدار لا تأتي لتغلق أبواب الحياة، بل لتعلّمنا كيف نفتح نافذة أخرى، ونرى منها الحياة بشكل مختلف.. ما وددت إيصاله في هذه المقالة أنه عندما تمرّ بحالة وفاة وفقد إنسان عزيز عليك، ألا تستسلم للحزن، فالفقد مؤلم نعم، والدموع طبيعية لكن اجعل قلبك مطمئناً بقضاء الله وقدره.. فوّض أمرك إلى الله واصبر واحتسب، وتذكّر أن من نحبهم قد غابوا عن أعيننا، لكنهم لم يغيبوا عن رحمة الله سبحانه وتعالى.. قال تعالى: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ». فاصبر واحتسب وأكثر من الدعاء لمن فقدت، وتيقّن أن الله أرحم به منك وأن ما عند الله خير وأبقى.. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واجبر قلوب من فقدوا أحبتهم، وارزقهم الصبر والسلوان، واجمعهم بهم في جنات النعيم.. نعم الفقد عزيز والمصاب جلل، لكن لا تحزن عندما تدرك أنك قمت بواجبك تجاه مريضك، وبذلت كل ما تستطيع وتعاملت معه بما يرضي الله، ولم تدّخر جهداً في رعايته والوقوف إلى جانبه حتى وفاته.. فبعد معاناة طويلة مع المرض، مرّ خلالها فقيدنا الغالي بمراحل عصيبة وقاسية جداً، وعانى كثيراً وتحمل تبعات مرضه وإصابته بصبرٍ جميل وعمل عظيم، دون أن يشعر من حوله بحجم ما كان يعانيه ودون أن يشكو أو يُظهر ألمه، وعلينا أن نقتدي به وبالدروس التي قدمها لنا في حياته وصبره وقوة إيمانه في الله سبحانه وتعالى.. لقد كان صابراً محتسباً، ونحن لا نملك أمام قضاء الله وقدره إلا التسليم والرضا، والدعاء له بالرحمة والمغفرة، والصدقة عند كل وقت، وأن يجعل ما أصابه من مرض وتعب ومعاناة كفارةً له، ورفعةً في درجاته عند أرحم الراحمين.. رحم الله فقيدنا الغالي أخي عمر ذعار أبورقبة، وجبر الله قلوب أهلنا ومحبيه وألهمنا الصبر والسلوان، وأن يجعل كل ما قدمه أهله وأصدقاؤه بشكل عام، وزوجته وبناته بشكل خاص، من رعاية واهتمام في ميزان حسناتهم جميعاً .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين على كل حال.. ودمتم بود،،،