حين لا تكفي قاعات التدريس الجامعية: نقاش في جامعة برنستون حول التعلّم القائم على الخبرة
في إحدى ورش العمل التي شاركت فيها بجامعة برنستون، دار نقاش مهم حول الفرق بين التعليم التقليدي والتعلّم القائم على الخبرة، وحول قدرة الجامعات على الانتقال من مجرد نقل المعرفة إلى تمكين الطلبة من اختبارها وتطبيقها في الواقع. أشرت في الورشة إلى أن التعليم التقليدي، وكذلك التعليم الرقمي، يتمتعان بقدرة كبيرة على إيصال المعرفة والمحتوى العلمي إلى أعداد واسعة من الطلبة، بمرونة أكبر وكلفة أقل نسبيًا. ويستطيع الطالب حضور المحاضرة داخل القاعة أو متابعتها إلكترونيًا، وقراءة المادة العلمية وفهم النظريات والمفاهيم الأساسية. لكن السؤال الذي طرحته كان: هل تكفي المحاضرات والكتب والشاشات وحدها لتكوين طالب قادر على فهم الواقع والتعامل مع مشكلاته؟ قلت إن هناك أنواعًا من المعرفة والمهارات لا يمكن اكتسابها بصورة كاملة من خلال الجلوس في قاعة الدراسة أو أمام شاشة الحاسوب، بل تحتاج إلى النزول إلى الميدان والتفاعل المباشر مع الناس والمؤسسات والمجتمعات. وضربت مثالًا بالبحوث الاجتماعية واستطلاعات الرأي ومنها تلك التي نقوم بها في الجامعة؛ فقد يتعلم الطالب نظريًا كيفية تصميم الاستبانة وصياغة الأسئلة واختيار العينة، لكنه لن يفهم حقيقة العمل البحثي إلا عندما يذهب إلى الميدان، ويلتقي بالمبحوثين، ويرى كيف يفسر الناس الأسئلة بطرائق مختلفة، وكيف تؤثر البيئة والثقافة والظروف الاجتماعية في طبيعة الإجابات. فالتجربة الميدانية تكشف جوانب لا تظهر دائمًا في الكتب والمحاضرات ولذا فإن الاختبارات القبلية مهمة في بناء المراحل اللاحقة في البحوث الميدانية. وكم أعجبت ببعض الباحثات من جامعة الكويت وبطلبة الدكتور غانم النجار، عندما طلبوا المشاركة معنا في أحد المشروعات المشتركة بين جامعتي برنستون والكويت، وهو مشروع تطلّب زيارة المنازل وجمع البيانات ميدانيًا في الكويت. فقد مثّلت هذه التجربة نموذجًا عمليًا لكيفية انتقال الطالب أو الباحث من المعرفة النظرية إلى التفاعل المباشر مع المجتمع. وبالعودة إلى النقاش، فإن الخبرة الميدانية تحتاج إلى وقت وموارد وإشراف وشراكات مع مؤسسات المجتمع. وقد تتطلب بعض التجارب سفرًا أو تكاليف إضافية، كما قد لا تتوافر الفرص نفسها لجميع الطلبة أو الجامعات، خصوصًا في البيئات محدودة الموارد. ولهذا اتجهت بعض الجامعات، ومنها الجامعة الأردنية، إلى تعزيز انخراط الطلبة في خدمة المجتمع، وجعلها في بعض البرامج متطلبًا للتخرج؛ بما يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية ربط الجامعة بالمجتمع، ولعل هذا يفسر جزءاً من رد المتحدثة في الورشة؛ إذ أوضحت أن التعلّم القائم على الخبرة لا يعني بالضرورة سفر جميع الطلبة أو التحاقهم بتدريب طويل خارج الجامعة. فقد تكون التجربة مشروعًا قصيرًا بالتعاون مع مؤسسة محلية، أو مهمة بحثية داخل المجتمع، أو دراسة حالة عملية، أو محاكاة لمشكلة واقعية، أو مشاركة في مشروع جماعي يعالج تحديًا حقيقيًا. وكانت من أبرز ملاحظاتها أن الخبرة وحدها لا تحقق التعلّم تلقائيًا؛ فالتجربة تحتاج إلى تصميم واضح وأهداف تعليمية محددة، وإلى عملية متكاملة تبدأ بالإعداد قبل التجربة، ثم المشاركة الفعلية فيها، وتنتهي بالتأمل والتحليل والتقييم. وبهذه المراحل تتحول الخبرة من مجرد نشاط عابر إلى تعلّم حقيقي وعميق. كما شددت على ضرورة تحقيق العدالة في الوصول إلى هذه الفرص، حتى لا يصبح التعليم الميداني امتيازًا للطلبة الأكثر قدرة مالية أو الأكثر امتلاكًا للعلاقات. وهنا تبرز مسؤولية الجامعة في تقديم الدعم المالي والتنظيمي والإرشادي، وبناء الشراكات مع المؤسسات المجتمعية والقطاعين العام والخاص، وتوفير نماذج متنوعة داخل الحرم الجامعي وخارجه. كانت الخلاصة الأهم أن المطلوب ليس الاختيار بين التعليم التقليدي والتعلّم القائم على الخبرة، وإنما الجمع المتوازن بينهما: فالقاعة الدراسية تقدم المعرفة والمفاهيم، والميدان يتيح التطبيق والاختبار، والتأمل يحوّل التجربة إلى تعلّم حقيقي. إن الجامعة التي تكتفي بمنح الطالب المعلومات قد تؤهله لاجتياز الاختبار والحصول على الشهادة، لكنها لا تضمن استعداده للحياة والعمل. أما الجامعة التي تربط المعرفة بالتطبيق، والتعليم بالواقع، والجامعة بالمجتمع، فإنها لا تخرّج حامل شهادة فحسب، بل إنسانًا أكثر فهمًا للواقع، وأكثر قدرة على العمل مع الآخرين، ومواجهة المشكلات المعقدة، واتخاذ القرارات.