ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم وائل يوسف المطوع

مدارس الموهوبين.. هل نبدأ من جديد؟

أحياناً لا تكون المشكلة في المشروع الجديد، بل في أن ننسى ما فعلناه قبل أن نبدأه. وهذا تحديداً ما خطر لي وأنا أقرأ إعلان وزارة التربية عن إطلاق مشروع مدارس الموهوبين للعام الدراسي 2026/2027، بمدرستين؛ واحدة للبنين وأخرى للبنات، تستهدفان طلبة المرحلة المتوسطة من الصف السادس حتى التاسع. من حيث المبدأ، بلا شك المشروع يستحق الدعم. فأن تخصص الدولة بيئة تعليمية مختلفة للطالب الموهوب، وتوفر له مناهج إثرائية، وأنشطة علمية وثقافية، ورعاية نفسية وأكاديمية، وتختار له معلمين وفق معايير خاصة، فهذا توجه تربوي مهم، خصوصاً في زمن أصبحت فيه الثروة الحقيقية للدول هي العقول التي تستطيع أن تنتج معرفة وابتكاراً. لكن لدي تساؤل هل هذه أول مرة نحاول فيها رعاية الموهوبين في الكويت؟ والإجابة: بالطبع لا. بل إن قصة الموهبة في الكويت أقدم بكثير من الإعلان الحالي. ونحن لا نبدأ من الصفر ففي 26 أبريل 2004، أعلن وزير التربية آنذاك العم الدكتور رشيد الحمد أن وزارة التربية قررت إنشاء مدرسة خاصة بالمتفوقين والمبدعين، وأن العمل كان جارياً لتجهيز مبنى المدرسة ومناهجها وبيئتها التعليمية. أي أننا نتحدث عن فكرة عمرها أكثر من عشرين عاماً. ثم جاءت مرحلة أكثر تنظيماً مع إنشاء مركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع عام 2010، والتعاون مع وزارة التربية في برامج وفصول الموهبة. وفي 2012 بدأت فصول الموهبة والإبداع بصورة واضحة، مع مناهج إثرائية متقدمة، خصوصاً في العلوم والرياضيات، وتدريب معلمين متخصصين، ولجنة مشتركة بين وزارة التربية والمركز لمتابعة البرنامج وضمان استمراره واستدامته. ثم جاءت أكاديمية الموهبة والإبداع التي افتتحت في 2016، وكان الهدف المعلن آنذاك التوسع وإنشاء أكاديميات في بقية المحافظات، مع برامج متخصصة واختبارات للذكاء والإبداع والقدرات المدرسية والسمات السلوكية. إذن، عندما نتحدث اليوم عن مدارس الموهوبين، لا ينبغي أن نتحدث وكأن الكويت اكتشفت الفكرة للمرة الأولى، حيث اننا لدينا تجربة كويتية تراكمية. وهذه نقطة أعتقد أنها يجب ألا تضيع وسط الحماس للمشروع الجديد. وللإنصاف التجربة القديمة لم تكن فاشلة ولم تختفِ، ولم تتوقف آثارها. ففي 2024، احتفل مركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع بتخريج الدفعة الرابعة من طلبة أكاديمية فصول الموهبة، وكان عدد الخريجين 72 طالباً وطالبة، حصل 51 طالبا منهم على 95% فأعلى في الثانوية. كما التحق عدد منهم ببرامج علمية في جامعات عالمية مثل بنسلفانيا وجونز هوبكنز وييل وإمبريال كولج. والتجربة أنتجت أيضاً مشاركات وإنجازات علمية وتقنية وبرامج إثرائية وشراكات دولية. إذن المشكلة ليست أن التجربة القديمة لم تنتج شيئاً. المشكلة في رأيي أنها لم تتحول بالقدر الكافي من تجربة ناجحة ومحدودة إلى منظومة وطنية واسعة ومستدامة لرعاية الموهبة. وهنا تحديداً أرى أن المشروع الجديد يمكن أن يكون فرصة عظيمة. لا لكي يبدأ من جديد، وإنما لكي يبني على ما سبق. كنت أتمنى أن يأتي الإعلان الجديد ومعه صفحة واحدة فقط بعنوان: ماذا تعلمنا من تجربة الكويت في رعاية الموهوبين؟ كم طالباً اكتشفنا؟ كم طالباً تخرج؟ أين ذهب الخريجون؟ كم منهم التحق بتخصصات علمية وطبية وهندسية؟ كم منهم أصبح باحثاً أو مبتكراً أو صاحب مشروع؟ ما البرامج التي نجحت؟ ما البرامج التي لم تنجح؟ لماذا لم يتحقق التوسع الذي كان مطروحاً قبل سنوات؟ وما الذي سيختلف في مدارس 2026 عن أكاديمية وفصول الموهبة التي عرفناها سابقاً؟ هذه ليست أسئلة للتشكيك، هذه أسئلة التخطيط. فالدولة التي تنفق سنوات وأموالاً على مشروع تعليمي يجب أن تحول تجربتها إلى معرفة مؤسسية، حتى لا يأتي كل مشروع جديد وكأنه يبدأ من الصفحة الأولى. فالتعليم ليس مشاريع وزراء. التعليم تراكم دولة. ودعونا ايضا نتساءل ماذا يفعل جيراننا؟ وهنا تصبح المقارنة الخليجية مفيدة، ليس لكي نقلد أحداً، وإنما لنعرف أين يمكن أن نطور تجربتنا. في المملكة العربية الشقيقة، على سبيل المثال، لم تتوقف الفكرة عند إنشاء مدارس للموهوبين. هناك برنامج وطني واسع للكشف عن الموهوبين بالشراكة بين وزارة التعليم وموهبة وهيئة تقويم التعليم والتدريب. وفي 2025، أُعلن اكتشاف 29,133 طالباً وطالبة في دورة واحدة، إضافة إلى أكثر من 244 ألف موهوب وموهوبة تم اكتشافهم منذ انطلاق البرنامج. وهنا نقطة تستحق التأمل: الفكرة ليست فقط أين نضع الموهوب، وإنما كيف نكتشفه أصلاً، وكيف نتابعه طوال رحلته التعليمية. أما الإمارات الشقيقة، فقد ذهبت إلى وضع سياسة وطنية موحدة لرعاية الطلبة الموهوبين، تشمل جميع المراحل التعليمية، وتضع معايير للكشف والتقييم، وبرامج للإثراء والتسريع، ونظاماً للبيانات والتقييم الدوري لأثر البرامج، مع اعتبار رعاية الموهبة جزءاً من السياسة التعليمية الوطنية. وفي البحرين الشقيقة، يوجد مركز متخصص لرعاية الطلبة الموهوبين منذ 2007، وتتمثل مهمته في تقديم رعاية شاملة ومستمرة للموهوبين في مختلف المراحل، مع هدف معلن لتوطين خدمات رعاية الموهبة داخل المدارس الحكومية والخاصة. وفي سلطنة عمان الشقيقة، يعمل برنامج ثروة على اكتشاف ورعاية الموهوبين، مع تطوير أدوات قياس إلكترونية مقننة بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس، وبناء قاعدة بيانات تساعد على متابعة تقدم الطلبة. وهنا نلاحظ ان الفكرة المشتركة. وان هذه الدول لا تتعامل مع الموهبة باعتبارها مبنى فقط. بل باعتبارها رحلة. اكتشاف مبكر، ثم تقييم، ثم برنامج، ثم متابعة، ثم إثراء، ثم جامعة، ثم بحث وابتكار. وهنا السؤال الحقيقي للكويت إذا كان الطالب الموهوب سيدخل مدرسة الموهوبين في الصف السادس، ماذا سيحدث له بعد الصف التاسع؟ هل هناك مسار واضح في المرحلة الثانوية؟ هل يستطيع أن يتقدم في بعض المواد بسرعة أكبر من أقرانه؟ هل يستطيع أن يدخل مختبرات جامعية؟ هل سيشارك في مشاريع بحثية حقيقية؟ هل ستكون له شراكات مع جامعة الكويت ومؤسسات البحث العلمي؟ هل توجد منح وبرامج دولية؟ وماذا عن الطالب الذي تثبت الاختبارات أنه موهوب لكنه لم يحصل على مقعد في المدرسة؟ هل تضيع موهبته لأنه بقي في مدرسة عادية؟ أم ستكون هناك برامج موهبة داخل المدارس العادية أيضاً؟ هذه الأسئلة في رأيي أهم من شكل المبنى وعدد الفصول. لأن المدرسة قد تكون ممتازة، لكن منظومة الموهبة هي التي تصنع الأثر. ورسالتي اليوم في هذا المقال لا تجعلوا الموهبة حكراً على مدرستين أنا مع مدرستي البنين والبنات، وأراهما خطوة جيدة. لكن أتمنى ألا تكونا نهاية الطريق. بل تكونان مركزين نموذجيين يجري من خلالهما تطوير النموذج، ثم نقل الخبرة إلى بقية المدارس والمحافظات. وهنا يمكن أن تستفيد الكويت من تجربتها السابقة بدل أن تتنافس المشاريع مع بعضها. لدينا مركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع. لدينا أكاديمية الموهبة. لدينا فصول الموهبة. لدينا معلمون خضعوا للتدريب. لدينا طلبة وخريجون. لدينا خبرة في الاختبارات والبرامج الإثرائية. ولدينا شراكات دولية. بل إن مركز صباح الأحمد واصل في السنوات الأخيرة برامج دولية مع جامعات ومؤسسات عالمية، وخرجت منه دفعات حققت نتائج أكاديمية لافتة. لماذا لا نجمع كل هذه الخبرة في منظومة وطنية واحدة؟ وأقترح مؤشراً واحداً للحكم على المشروع بعد عشر سنوات، لا أريد أن نحتفل بعدد المدارس التي افتتحناها. ولا بعدد الطلاب الذين قبلناهم. ولا بعدد المسابقات التي شاركوا فيها. أريد أن نعرف: ماذا أصبح هؤلاء الطلبة؟ كم عالماً؟ كم طبيباً وباحثاً؟ كم مهندساً ومخترعاً؟ كم براءة اختراع؟ كم شركة ناشئة؟ كم بحثاً علمياً؟ كم منهم عاد إلى الكويت ليعلم ويبحث ويبتكر؟ وكم من الطلبة الموهوبين الذين اكتشفناهم استطاعوا أن يصلوا إلى إمكاناتهم الكاملة؟ هذا هو الأثر الذي نتمناه في ظل حكومة أحيت فينا الامل بالإصلاح الشامل والتخطيط وعودة الريادة. والفرق كبير بين أن نقيس ماذا أنجزنا؟ وبين أن نقيس ماذا تغير بسبب ما أنجزناه. أنا لا أرى في مشروع مدارس الموهوبين مشروعاً ينبغي أن نعارضه. على العكس. أتمنى له النجاح، وأتمنى أن يتوسع. لكنني أعتقد أن أجمل ما يمكن أن تفعله وزارة التربية هو أن تقول بوضوح: نحن لا نبدأ من الصفر؛ نحن نبني على أكثر من عشرين عاماً من التجربة الكويتية. هذه الجملة وحدها ستكون في رأيي أكثر أهمية من الإعلان عن مشروع جديد. لأن الدولة التي تحترم تجربتها لا تمحو ما سبقها، ولا تنسب كل شيء إلى الحاضر. بل تسأل بوضوح: ماذا فعل الذين سبقونا؟ ماذا نجح؟ ماذا فشل؟ لماذا؟ وماذا سنبني عليه؟ فالإصلاح الحقيقي ليس أن تأتي بفكرة جديدة. الإصلاح الحقيقي أن تجعل الدولة أذكى من تجربتها السابقة. وأنا أتمنى أن تكون مدارس الموهوبين بداية لذلك. بداية لمنظومة وطنية لا تكتفي باكتشاف الطفل الموهوب، بل ترافقه من المدرسة إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى المختبر، ومن المختبر إلى الابتكار، ومن الابتكار إلى بناء اقتصاد الكويت ومستقبلها. فالثروة التي تحتفظ بها الكويت تحت الأرض معروفة. أما الثروة التي فوق الأرض، داخل عقول أبنائنا، فهي التي تحتاج منا أن نكتشفها ونرعاها قبل أن تضيع. وهذه، في النهاية، ليست قضية مدارس موهوبين فقط. إنها قضية: ماذا نريد أن يكون أبناؤنا بعد عشرين سنة؟

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓