الخليج بين ذاكرة التاريخ وقانون العالم الجديد (2-2)
يمكن فهم تطور دور مجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ فقد انتقل من إطار للتنسيق الإقليمي بين دول متجاورة إلى شريك حاضر في القضايا التي تمس الاستقرار الدولي. وهذا لم يحدث فجأة، بل هو نتيجة تراكم طويل من بناء المؤسسات وتعزيز العلاقات الدولية وإدراك أن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن العالم. كما أن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي تحمل دلالة مهمة؛ لأنها تؤكد أن العلاقات الدولية الأكثر استدامة لا تقوم على المصالح الاقتصادية وحدها، بل على القيم والمبادئ التي تحمي هذه المصالح. فالتجارة تحتاج إلى أسواق، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى طرق آمنة وقواعد مستقرة وثقة متبادلة. «فالمصالح قد تجمع الدول، لكن المبادئ هي التي تجعل الشراكات قادرة على مواجهة اختبار الزمن». ومن منظور تاريخي، فإن هذا التطور يعيدنا إلى الحقيقة التي عرفها البحارة منذ قرون؛ وهي أن ازدهار الموانئ لا يتحقق بالسيطرة على البحر، بل بضمان انفتاحه. فقد كانت المدن الساحلية الخليجية مزدهرة لأنها كانت جزءًا من شبكة تواصل واسعة، لا لأنها أغلقت أبوابها أمام الآخرين. وهذه هي الرسالة التي يحملها مضيق هرمز اليوم؛ فهو ليس مجرد ممر للطاقة، بل امتداد لذاكرة بحرية طويلة، بدأت بسفن التجارة القديمة، واستمرت بسفن اللؤلؤ والتجارة، ووصلت اليوم إلى ناقلات الطاقة والسفن العملاقة التي تربط الاقتصاد العالمي ببعضه. إن الفرق بين الماضي والحاضر ليس في أهمية الطريق، بل في حجم الاعتماد عليه. ففي الماضي كانت السفينة تصل بين ميناء وآخر، أما اليوم فهي تصل بين اقتصادات وقارات، ولذلك أصبح الحفاظ على أمنها مسؤولية دولية مشتركة. ومن هنا فإن البيان الخليجي– الأوروبي يرسل رسالة واضحة: أن حماية حرية الملاحة ليست دفاعًا عن مصالح آنية، بل دفاع عن قاعدة حضارية قامت عليها حركة الإنسان منذ عرف التجارة والبحر. إن قراءة هذا المشهد من منظور التاريخ تكشف أن أمن الممرات البحرية لم يكن يومًا قضية حديثة مرتبطة بعصر الطاقة فقط، بل كان دائمًا أحد الشروط الأساسية لازدهار الحضارات. فالدول التي امتلكت طرقًا آمنة للتجارة استطاعت أن تبني نفوذها، والمدن التي انفتحت على البحر أصبحت مراكز للمعرفة والتبادل والثقافة. ولهذا فإن تاريخ الخليج هو في جوهره تاريخ طريق؛ طريق لم يكن مجرد مساحة تعبرها السفن، بل مساحة صنعت علاقات بين البشر، ونقلت الأفكار قبل البضائع، وربطت المجتمعات قبل أن تربط الأسواق. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى مضيق هرمز اليوم باعتباره جزءًا من هذه الذاكرة الطويلة. فالمضيق الذي تعبره السفن الحديثة هو امتداد لذلك الطريق الذي عرفته الأجيال السابقة، مع اختلاف الأدوات والحمولات. فالأمس حملت السفن الشراعية اللؤلؤ والبضائع، واليوم تحمل السفن الطاقة والتجارة، لكن الرسالة واحدة: العالم يحتاج إلى طرق مستقرة حتى يستمر في الحركة. وهذا هو جوهر التحول الذي يكشفه البيان الخليجي–الأوروبي؛ إذ لم يعد أمن الخليج يُقرأ باعتباره شأنًا إقليميًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من أمن النظام الاقتصادي العالمي. فاستقرار المنطقة لا يخدم دول الخليج وحدها، وإنما يخدم كل دولة تعتمد على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وحركة الطاقة. كما أن هذا البيان يعكس حقيقة مهمة؛ وهي أن المكانة الدولية لا تُبنى فقط بما تملكه الدول من موارد، بل بما تقدمه من مسؤولية تجاه الاستقرار العالمي. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على تعطيل الطريق، وإنما في القدرة على حمايته وضمان بقائه مفتوحًا وفق قواعد واضحة تحمي الجميع. “القانون لا يحرس البحر لأنه يمنح القوة لطرف، بل لأنه يمنع القوة من أن تحرم الآخرين من حقهم في الطريق». وهذه الفكرة هي التي جعلت القانون الدولي للبحار أحد الإنجازات المهمة في تنظيم العلاقات بين الدول؛ لأنه نقل البحار من مساحة تتنافس فيها القوى إلى مجال تحكمه قواعد تسعى إلى تحقيق التوازن بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة الدولية. ومن هنا فإن رفض أي قيود غير مشروعة على المرور في مضيق هرمز ليس مجرد موقف سياسي، بل هو دفاع عن مبدأ تاريخي وحضاري؛ أن الطرق التي تربط العالم يجب ألا تصبح رهينة للخلافات، لأن إغلاق الطريق لا يضر طرفًا واحدًا، بل يضر الجميع. وإذا كان الخليج قد عرف عبر تاريخه الطويل كيف يكون جسرًا بين الحضارات، فإن دوره اليوم يتطور من حماية التجارة إلى المساهمة في حماية النظام الذي تقوم عليه التجارة العالمية. وهذه هي النقلة التي تجعل المنطقة أكثر من مجرد موقع استراتيجي؛ إنها شريك في صناعة الاستقرار. فمن الكويت التي أبحرت سفنها قديمًا نحو آفاق بعيدة، إلى دول الخليج التي تدافع اليوم عن حرية الملاحة والقواعد الدولية، يبقى البحر حاضرًا في هوية المنطقة ورسالتها. فالذاكرة البحرية لم تختفِ، وإنما انتقلت من أشرعة السفن إلى لغة القانون والمؤسسات والشراكات الدولية. وفي النهاية، فإن قيمة البيان الخليجي–الأوروبي لا تكمن فقط في الكلمات التي وردت فيه، بل في المعنى الأعمق الذي يحمله: أن العالم، رغم تغير الأزمنة، ما زال يعتمد على الحقيقة نفسها التي عرفها البحارة منذ قرون؛ وهي أن الطريق الآمن هو أساس الازدهار. فالتاريخ لا يخلّد من حاول امتلاك الطريق، بل يخلّد من أدرك أن قيمة الطريق في أن يبقى مفتوحًا للجميع. ومن الخليج الذي كان طريقًا للحضارات، إلى العالم الذي يعتمد اليوم على ممراته البحرية، تبقى الرسالة واحدة: أن حماية الملاحة ليست حماية للسفن فقط، بل حماية لمسيرة الحضارة نفسها. فقد تتغير السفن، وتتبدل البضائع، وتتغير موازين القوة، لكن الحقيقة التي لا تتغير أن الحضارات لا تزدهر عندما تُغلق الطرق، بل عندما تُفتح، وأن القانون وحده هو القادر على أن يجعل البحر جسرًا للحياة لا ساحة للصراع. فالخليج لم يكن يومًا مجرد طريق تمر عبره السفن… بل كان طريقًا تمر عبره الحضارة نفسها.