الإنسان أولاً.. حين تتحول الإنسانية من شعار إلى ثقافة
في زمن تتسارع فيه الأخبار أكثر مما تتسارع فيه فرص النجاة، وتتسع الأزمات حتى تكاد تطغى على تفاصيل الحياة اليومية، يبقى الإنسان الحقيقة التي لا يجوز أن تختزل في رقم أو تختصر في تقرير. وفي التاسع عشر من أغسطس من كل عام، يأتي اليوم العالمي للعمل الإنساني ليعيد إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز حدود الإغاثة والمساعدات: ماذا فعلنا، وماذا نفعل، من أجل الإنسان؟ فخلف كل مأساة إنسان، وخلف كل صورة ألم حياةٌ تستحق أن تنقذ، وخلف كل يد ممدودة طلباً للمساعدة كرامةٌ لا ينبغي أن تهدر. ومن هنا، فإن العمل الإنساني في جوهره ليس مجرد شحنات إغاثة أو حملات طارئة تطلق عند وقوع الكوارث، بل هو قبل ذلك قيمة أخلاقية راسخة، وإيمان بأن الإنسان يظل إنساناً مهما اختلفت الجغرافيا أو اللغة أو الدين أو اللون. إنه موقف من العالم، لا مجرد نشاط داخله. ومن هذا المعنى، تبرز دولة الكويت نموذجاً عربياً لافتاً في ترسيخ النهج الإنساني، لا بوصفه عملاً ظرفياً تفرضه الأزمات، وإنما باعتباره جزءاً أصيلاً من هويتها. فقد ارتبط اسم الكويت لعقود طويلة بالمبادرات الإغاثية والإنسانية حول العالم، حتى جاء الاعتراف الأممي في 9 سبتمبر 2014 بتسمية الكويت مركزاً للعمل الإنساني، وتكريم الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، طيب الله ثراه، بوصفه قائداً للعمل الإنساني، تقديراً لدور تجاوز الحدود الجغرافية إلى فضاء أوسع من التضامن مع الإنسان أينما كان. غير أن قيمة هذا الاعتراف لا تكتمل بمجرد الاحتفاء به؛ فاليوم العالمي للعمل الإنساني يطرح سؤالاً أعمق: هل أصبح العمل الإنساني جزءاً من ثقافتنا اليومية، أم ما زال مرتبطاً بالمناسبات والأزمات؟ فالإنسانية الحقيقية لا تولد فقط في ساحات الحروب والكوارث، بل تبدأ من التفاصيل الصغيرة التي قد لا يراها أحد. تبدأ من بيت يزرع الرحمة في أطفاله، ومن مدرسة لا تكتفي بصناعة التفوق الأكاديمي، بل تبني معنى التعاطف والمسؤولية، ومن مجتمع لا يترك ضعيفه وحيداً، ومن فرد يرى في مساعدة الآخرين سلوكاً طبيعياً لا يحتاج إلى مناسبة أو تصفيق. وهنا يصبح التعليم أحد أهم الميادين التي يمكن من خلالها ترسيخ ثقافة العمل الإنساني. فالمؤسسة التعليمية التي تخرج عقولاً متفوقة دون أن تخرج قلوباً رحيمة، تكون قد أنجزت نصف رسالتها فقط. فالتعليم الحقيقي لا يبني المعرفة وحدها، بل يبني الضمير الإنساني القادر على توظيف المعرفة في خدمة الآخرين، لا على حسابهم. ولا تنفصل هذه المسؤولية عن العادات والتقاليد، فهي الذاكرة الحية التي تحفظ قيم المجتمعات وتمنحها استمراريتها. وفي المجتمعات الخليجية والعربية، ظل التكافل وإغاثة المحتاج والوقوف إلى جانب الجار ومساندة الضعيف جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي. لكن التحدي اليوم لا يتمثل في البحث عن قيم جديدة، بقدر ما يتمثل في إعادة تقديم القيم الأصيلة بلغة معاصرة تصل إلى الأجيال الجديدة. وقد عبر المهاتما غاندي عن هذا المعنى بحكمة تختصر فلسفة كاملة: «أفضل طريقة لتجد نفسك هي أن تفقد نفسك في خدمة الآخرين». فخدمة الإنسان ليست إلغاءً للذات، بل توسيعاً لها. وكلما اتسعت دائرة اهتمام الإنسان بمن حوله، اتسعت إنسانيته، وأصبح أكثر قدرة على إدراك أن قيمة الحياة لا تكمن فيما نمتلكه لأنفسنا فقط، بل فيما نستطيع أن نقدمه للآخرين. وفي عالم يقيس التقدم غالباً بعدد الأبراج، وحجم الاقتصادات، وسرعة التقنيات، ربما نحتاج إلى معيار أكثر عمقاً: كيف تتعامل المجتمعات مع الإنسان عندما يضعف؟ وكيف تسنده عندما يسقط؟ وهل تمنحه فرصة جديدة عندما تضيق به الحياة؟ فالحضارة لا تقاس بما تستطيع الدول أن تبنيه فقط، وإنما بما تستطيع أن تحميه من إنسانيتها. والقوة الحقيقية ليست في القدرة على فرض الإرادة، بل في القدرة على حماية الكرامة، وصون الحياة، ومد اليد لمن يحتاجها. لهذا، لا ينبغي أن يكون اليوم العالمي للعمل الإنساني مجرد مناسبة للاحتفاء بالعاملين في المجال الإنساني، بل وقفة سنوية لمراجعة علاقتنا بالإنسان ذاته؛ كيف نراه؟ وكيف نتعامل معه؟ وهل ما زال في مركز أولوياتنا، أم أصبح مجرد رقم في إحصاءات عالمية مزدحمة؟ إنها أسئلة تبدو بسيطة، لكنها في جوهرها تمس معنى الحضارة نفسها: هل نربي أبناءنا على الرحمة كما نربيهم على التفوق؟ هل نعلمهم أن الاختلاف لا يلغي الكرامة؟ وهل ندرك أن إنقاذ إنسان واحد، أو تخفيف ألم واحد، أو إعادة الأمل إلى قلب واحد، قد يكون أعظم أثراً من كثير من الإنجازات المادية؟ إن العالم الذي يضع الإنسان في مركز اهتمامه لا يحتاج إلى كثير من الشعارات ليبرهن على إنسانيته؛ فأفعاله تكفي. وحين تصبح الرحمة جزءاً من التعليم، والتكافل جزءاً من الثقافة، ومساعدة الآخرين جزءاً من السلوك اليومي، عندها لا يعود العمل الإنساني مناسبة نحتفل بها مرة واحدة في العام، بل يصبح أسلوباً للحياة. فالحضارة التي تبنى على الرحمة لا تحتاج إلى القوة كي تثبت عظمتها؛ يكفيها أن تجعل الإنسان غايتها، والإنسانية طريقها.