التدمير الذاتي وظلم النفس
يقال إن الندرة ترفع القيمة... فهل يعني ذلك أن تختفي مثلا حتى تصبح مهما أم الصحيح هو أن تعرف قيمة نفسك فلا تهدرها في الأماكن الخطأ ولا تُفرّط بها مع الأشخاص الخطأ ولا تهدمها بيديك.. لا يهم إن كان العالم لا يراك بإنصاف المهم ألا تكون أول من يُنقص من قيمته ويُسقط فرصه ويُطفئ غيره.. وهكذا يمارس التدمير الذاتي دون وعي منه. ويتبادر إليِّ سؤال الآن.. ماذا عن الانتقائية في الاختيار؟ كيف نفرق إن كانت احترام للذات؟ أم أنها إشارة بأنك تعرف جيدا أين يجب أن تستثمر في حياتك فلا تضيع وقتك وجهدك وطاقتك مع من لا يستحق. وإليِّ تساؤل آخر يتراود إلى ذهني.. وهو هل حال الثبات هو الصورة الحقيقية للثقة؟ أم أن الجرأة على الخروج خارج الصندوق هي الثقة بعينها؟ وما الذي يجعل إنسانا ما مثيرا للاهتمام ويختلف عمن سواه وببساطة يمتلك حياة تجعل من يعرفه يرغب أن يكون جزءًا منها لا لأنها حياة كاملة بل لأنها حياة حيّة.. إذا كان الإنسان بطبيعته مبرمجاً على النمو.. ولا يمكن أن تدفع أحدا إلى النمو ما لم يكن هو نفسه مستعدًا لذلك بأن يبقى بنسخته اليوم أفضل من نسخة الأمس.. ويعيش في حالة تطور مستمر لأن من يعرف نفسه لا يرضى بأقل مما يستحق ولأنه لا يبحث عن من يمنحه قيمته بل يعرفها مسبقا وهو قادر على تكوين روابط صحية بأقل قدر من الاستنزاف لأنه لا يدخل العلاقات ليملأ فراغه بل ليشارك امتلاءه.. ومن يعرف من يكون يعرف أيضا أين يجب أن يكون.. لهذا يبحث الناس غالبا على الإنسان الذي لا يهتز بسهولة لأن الباحث عن يقين ينجذب بالفطرة إلى من يرى فيه الثبات والصلابة التي لا تبنى بالكلمات بل بالإنجازات الصغيرة المتراكمة وبكل مرة انتصرت فيها على نفسك قبل أن تنتصر على ظروفك.. وهي إحدى قواعد الجاذبية والجذب.. فمصدر القوة ليس السيطرة على العالم الخارجي بل السيطرة على العقل الذي يفسر هذا العالم.. وعندما سينجح الإنسان في ذلك سيصبح مصدرا آمنا للطمأنينة في حياة الآخرين.. يهتم بصدق ويتحدث بوضوح ولا يخشى أن يفقد أحدا لأنه لا يفقد نفسه أولا.. يخطئ ويعتذر.. يسقط ويقف.. يتكيف دون أن يتخلى عن مبادئه.. ويعرف أن الكمال ليس شرطا ليستحق الحب أو الاحترام. ولكن.... ماذا يحدث عندما يكون الاستحقاق الداخلي منخفضاً؟ ماذا يحدث عندما تُعرض على الإنسان فرصة أو علاقة صحية أو حب صادق أو نجاح مستحق بينما أعماقه تهمس له بأنه لا يستحق شيئا من ذلك؟ هنا يبدأ الصراع الأخطر.. صراع الإنسان مع نفسه في اللاوعي.. فالعقل الذي اعتاد الحرمان يخاف الوفرة.. والقلب الذي تربى على الخذلان يشك في الأمان.. والنفس التي صدقت طويلا أنها غير كافية ترى في كل نعمة مؤقتة فخ مؤجل. وهكذا.. يبدأ التدمير الذاتي. ليس لأن الحياة ظلمته هذه المرة بل لأنه لم يستطع تصديق أنها أنصفته. فيؤجل الفرصة حتى تضيع.. ويختبر من يحبه حتى يرحل.. ويفتعل المشكلات في أكثر لحظات السلام.. ويرفض المساعدة ثم يشكو الوحدة. والنتيجة؟ يكسر الغصن الذي يستند إليه ثم يلوم على السقوط. كل ذلك لأنه لا يقاتل الواقع.. بل يقاتل الصورة التي يحملها عن نفسه. إنه يخشى النجاح لأنه لا يعرف كيف يعيش بعده.. ويخاف الحب لأنه لا يرى نفسه جديرا به.. ويرفض الطمأنينة لأنه اعتاد التأهب للخطر.. فيتحول عقله دون أن يشعر إلى آلة تبحث عن أي دليل يؤكد معتقده القديم «أنا لا أستحق» ولهذا فإن أخطر أشكال التدمير الذاتي لا يكون بالصراخ.. إنما بالقرارات الصغيرة التي تبدو منطقية بينما تقود صاحبها بهدوء إلى خسارة كل ما كان يتمناه.. والإنسان لا يخسر أجمل الأشياء في حياته دائما بسبب سوء الحظ بل قد يخسرها لأنه لم يصدق يوما أنها نصيبه من الحياة وعليه تقديرها في المقابل كما تستحق.. ولعل أعظم انتصار يحققه الإنسان في حياته ليس أن يجد الفرصة المناسبة بل أن يصبح هو الشخص القادر على الاحتفاظ بها عندما تأتي. وأخيرا.. ليس كل ناصح لك يريد بك خيرا وليس كل من يتدخل في حياتك يبحث عن مصلحتك.. فمن الناس من ينصحك لأنه يرى الحل فعلا.. ومنهم من يضيق برؤيتك تكبر وتتجاوز حدود صوته المحدود لا المحايد وبينهما فرق كبير.. فلا تجعل كثرة الآراء تربك بصيرتك ولا تمنح مفاتيح قراراتك لكل من امتلك رأيا لك.. اعرف جيدا من تستشير واختر من اتسع أفقه قبل أن تسمع كلماته ومن جرّب قبل أن يُنظّر ومن يحب لك الوصول أكثر من حبه لأن يكون المتقصي ذو الفضول ثم... استخِر الله. وبعدها راجع نفسك بصدق فالإجابة التي تبحث عنها كثيرا ما تكون في داخلك لكنها تحتاج إلى قلب هادئ لا إلى ضجيج الآخرين الذي قد يكون سببا في كثير مرات لأن تخسر فقط تخسر وتكون عدو نفسك الأول.