وصفولي الصبر
من أكثر الأخطاء التي نقع فيها أننا نظن أن الكلمات المترادفة متساوية في المعنى. نستخدمها مكان بعضها بعضا، ثم نستغرب كيف تختلف مشاعرنا وسلوكنا رغم أننا نصفها بالكلمة نفسها. خذ مثلا كلمتين نرددهما كل يوم: الصبر والانتظار. كثيرا ما نقول: «اصبر قليلا»، بينما الذي نقصده في الحقيقة: «انتظر قليلا». ونقول عن إنسان تأخر عليه الفرج: «طال انتظاره»، بينما الذي نريد الإشادة به هو صبره. ومع كثرة الاستعمال، تذوب الحدود بين الكلمتين، حتى نظن أنهما شيء واحد. لكن العربية لا تسمح بهذا التهاون؛ فالكلمة في العربية لا تولد عبثا أو اعتباطا، بل تحمل في جذورها قصة كاملة. الصبر من الجذر (ص ب ر)، وأصله يدل على الحبس والمنع والثبات. تقول العرب: صَبَّرت نفسي، أي حبستها عن الجزع، ومنعتها من الانهيار، وألزمتها الثبات. إذن فالصبر لا يتعلق بالوقت أولا، بل يتعلق بالإنسان نفسه. أما الانتظار، فمن الجذر (ن ظ ر)، وأصل النظر هو توجيه العين نحو شيء، ثم اتسع المعنى ليشمل الترقب والتوقع والتطلع إلى ما سيأتي. فالمنتظر يوجه نظره إلى المستقبل. أما الصابر فيوجه نفسه إلى الثبات. ولذلك لم يكن من الغريب أن يقول الله تعالى: ?إن الله مع الصابرين?. لم يقل: مع المنتظرين. لأن المعية هنا ليست لمن يراقب مرور الزمن، وإنما لمن يملك نفسه أثناء مرور الزمن. إن الله مع من يحبس لسانه عن الشكوى، وقلبه عن اليأس، وعقله عن التسرع، حتى وهو لا يعلم متى تنتهي الأزمة. أما الانتظار، فقد جاء في القرآن في مواضع أخرى، كلها تدور حول معنى الترقب. كما في محكم التنزيل: ?فانتظروا إني معكم من المنتظرين?. فالمقام هنا ليس مقام احتمال المشقة، وإنما مقام ترقب ما ستؤول إليه الأحداث. كل فريق يرقب النتيجة، وينتظر أن يكشف الزمن الحقيقة. ولذلك أيضا قال إبليس: ?قال أنظرني إلى يوم يبعثون?. ولم يقل: أصبرني. لأنه لم يكن يطلب قوة على الاحتمال، بل كان يطلب الإمهال، وتأخير الأجل، وإطالة الوقت. تأمل كيف يكشف اختيار الكلمة وحده عن المقصود. فالانتظار مرتبط بالزمن؛ أما الصبر فمرتبط بالنفس، وهذا الفارق وحده يكفي ليغير نظرتنا إلى الحياة. في حياتنا اليومية، نحن لا نتعب دائما من طول الوقت، بل من طريقة تعاملنا معه. قد تقف في طابور البنك عشر دقائق، فتفتح هاتفك خمس عشرة مرة، وتنظر إلى الموظف، ثم إلى الباب، ثم إلى الساعة، وكأن عقاربها ستشعر بالذنب فتسرع قليلا .. هذا انتظار. أما الصبر، فهو أن تعلم أن الأمر لن ينتهي أسرع لأنك تضجرت، فتختار أن تهدئ نفسك بدلاً من أن تحارب الساعة. وقد ينتظر شخصان النتيجة نفسها؛ أحدهما يعيش أيامه بصورة طبيعية، ينجز أعماله، ويواصل حياته، والآخر يعيش أسيرا لما لم يحدث بعد. كلاهما ينتظر. لكن أحدهما صابر، والآخر مجرد منتظر. ولهذا أرى أن الانتظار يستهلك الوقت، بينما الصبر يستثمره. وفي مقام آخر عن الصبر يظهر معنى آخر في القرآن، أكثر دقة. قال تعالى: ?وأمر أهلك بالصلو?ة واصطبر عليها لا نسـ?لك رزقا نحن نرزقك والع?قبة للتقوى?? [طه: 132]. ولم يقل: واصبر عليها. لأن الاصطبار أبلغ من الصبر. وأصلها «اصتبر»، على وزن افتعل، ثم أبدلت التاء طاء لمجاورتها الصاد، فصارت «اصطبر». وهذه الصيغة في العربية تدل على التكلف والمجاهدة والمداومة. وكأن الصبر قد يكفي في موقف عابر، أما الاصطبار فهو أن تعود إلى الصبر كل يوم، حتى عندما لا تشتهي ذلك. أن تقوم لصلاة الفجر في الشتاء مرة يحتاج إلى صبر؛ أما أن تفعلها سنوات طويلة، فهذا اصطبار. أن تسكت عند الغضب مرة صبر؛ أما أن تجعل الحلم عادة، فهذا اصطبار. ولذلك لم يكن اختيار القرآن لهذه الصيغة مجرد تنويع في الألفاظ، بل كان اختيارا يحمل درجة أعلى من المعنى. واللافت أن الثقافة الشعبية أيضا تميز بين الصبر والانتظار، وإن لم تنتبه إلى ذلك. كم من أغنية تتحدث عن الانتظار؛ انتظار الحبيب، انتظار رسالة، انتظار لقاء. لأن الانتظار يولد الشوق، والحنين، والفراغ، والترقب. لكن عندما تتحول الحكاية إلى احتمال الفقد، أو مقاومة الغياب، أو الثبات رغم الألم، تبدأ الأغاني تتحدث عن الصبر. فالصبر ليس انتظار شخص؛ الصبر هو ألا تفقد نفسك أثناء انتظاره. وهنا ندرك أن فهم الكلمات ليس ترفا لغويا، بل ضرورة فكرية. فاللغة لا تصف العالم فقط، بل تصنع الطريقة التي نراه بها. إذا ظننت أن الصبر يعني أن تجلس حتى تمر الأيام، فسوف تقضي نصف عمرك تنظر إلى الساعة. أما إذا فهمت أن الصبر هو حسن إدارة النفس أثناء مرور الأيام، فسيتغير سلوكك كله. ستقل شكواك، ويزيد عملك ... وتهدأ. لأنك ستدرك أن الزمن لا يطيع القلق، وأن النتائج لا تأتي لأننا أكثر استعجالا، بل لأن أسبابها قد اكتملت. أخيرا، ما بدأ القصة كلها هو أني في أحد الصباحات شديدة الحرارة، وبينما كنت أقود سيارتي متجها إلى إحدى المراجعات الحكومية في إحدى الوزارات، كان الطريق مزدحما كعادته، والسيارات تتحرك ببطء يكفي لأن تلاحظ كل شيء؛ عدد الأشجار على الرصيف، وإشارات المرور، ووجوه الناس التي يبدو أن لكل واحد منها قصة مختلفة. فتحت المذياع، وإذا بصوت أم كلثوم يملأ السيارة بهدوئه المعتاد يشدو: «وصفولي الصبر، لقيته خيال وكلام في الحب... إلى أن وصلنا إلى كوبليه: «ما قدرتش اصبر يوم على بعده .. ده الصبر عايز صبر لوحده». وكل هذا حدث ولم أصل إلى وجهتي بعد! وعلى الله نتوكل، وبه نستعين.