لمحة مقترحة لرؤية الكويت 2040
في كل مرحلة من تاريخ الدول، تأتي لحظة تستدعي التوقف قليلاً، والنظر إلى المشهد من بعيد، ثم طرح السؤال: هل ما زالت أدواتنا اليوم قادرة على صناعة المستقبل الذي نريده؟ هذا السؤال لا يعني التشكيك فيما تحقق، بل يعني أن العالم تغير كثيراً منذ إطلاق رؤية الكويت 2035 عام 2017. فقد تغير الاقتصاد العالمي، وموازين القوى، والجغرافيا السياسية، وأمن الطاقة والغذاء والماء، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، وأصبح الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طريقة عمل الدول والاقتصادات. وأمام هذه المتغيرات، تواجه الكويت تحديات واضحة، أبرزها الاعتماد الكبير على النفط، وارتفاع الإنفاق العام، والحاجة إلى تعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير بيئة الأعمال، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، وخلق وظائف نوعية، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات. إذن المشكلة ليست في غياب الإمكانات، وإنما في كيفية تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة اقتصادية مستدامة. في الرؤية الجديدة، الهدف ليس بإلغاء رؤية 2035 والبدء من الصفر، بل إلى تطويرها، وإعادة ترتيب أولوياتها، ومنحها مرونة أكبر وقدرة أعلى على الاستجابة للمتغيرات. نأخذ نفساً عميقاً... دعونا نتصور ملامح رؤية جديدة، يمكن أن نسميها «رؤية الكويت 2040»، برسالة مختصرة تقول «تحويل الكويت من اقتصاد يعتمد على عوائد النفط إلى دولة منتجة للقيمة، تستثمر ثرواتها الطبيعية والمالية والبشرية والتكنولوجية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، وتعزز أمنها الوطني والاقتصادي، وتجعل القطاع الخاص محركاً للنمو، والذكاء الاصطناعي أداةً لصناعة القرار، والمواطن شريكاً في إنتاج الثروة، مع الحفاظ على هوية الكويت ومكانتها الإقليمية والدولية». ولتحقيق هذه الرؤية، يأتي أولاً بناء بنية تحتية متقدمة وذكية، لا تقتصر على الطرق والمباني والمرافق، وإنما تمتد إلى منظومة رقمية متكاملة، مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ترفع جودة القرار وسرعته، وتحقق التكامل بين المشاريع والمعلومات والجهات الحكومية وبيئة الأعمال والفرق العاملة، كما يتطلب الأمر تشريعات أكثر مرونة، وخدمات حكومية أكثر كفاءة، وحوكمة تعزز ثقة المستثمر، وبيئة قادرة على جذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا، بالتوازي مع تطوير الإنسان وتمكين الشباب ليكونوا شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل. ثانياً، إعادة تعريف موقع الكويت في منظومة الطاقة العالمية. فالكويت لا ينبغي أن تنتقل من دولة تصدر النفط إلى دولة تتخلى عن النفط، بل إلى دولة تقود منظومة متكاملة للطاقة تشمل الإنتاج والتكرير والبتروكيماويات والخدمات النفطية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، وتستثمر في المعرفة والصناعات والخدمات المرتبطة بالطاقة. نريد أن نبني اقتصاداً جديداً ينطلق من نقاط قوتنا الحقيقية، والتي تتلخص في الطاقة، ورأس المال، والخبرة، والإنسان. كما لا ينبغي أن نغفل موقع الكويت الجغرافي، الذي يمكن أن يجعلها مركزاً للخدمات اللوجستية والتجارة وإعادة التصدير، إذا ما تم استثماره ضمن منظومة متكاملة تربط الموانئ والطرق والخدمات والمناطق الاقتصادية والتكنولوجيا. وفي الوقت نفسه، يجب إعادة النظر في دور الصندوق السيادي، ليس فقط كأداة لحماية ثروة الأجيال القادمة، وإنما أيضاً كرافعة استراتيجية للاستثمار في قطاعات المستقبل، وبناء شركات كويتية قادرة على النمو والمنافسة إقليمياً وعالمياً. أما الأمن، فيجب أن يكون في قلب رؤية 2040، فالأمن في عالم اليوم لم يعد يعني حماية الحدود فقط، بل أصبح يشمل أمن الغذاء والماء والطاقة والدواء وسلاسل الإمداد والبنية الرقمية والأمن السيبراني. ومن هنا تبرز أهمية بناء مفهوم متكامل للأمن الوطني والاقتصادي، قادر على حماية الكويت في عالم تتزايد فيه المخاطر والتحديات. وفي رؤية 2040، لا نريد عشرات الأهداف الجديدة، وإنما أهدافاً وطنية محددة، لكل هدف رقم، ومدة زمنية، وجهة مسؤولة، ومؤشر واضح لقياس النجاح. فالاستراتيجية التي لا تقاس نتائجها تتحول مع الوقت إلى سراب من الأماني والأحلام، ولتحقيق ذلك يجب علينا صناعة خارطة طريق واضحة للتنفيذ، وتحويل الاستراتيجية الى رحلة ديناميكية ونابضة بالحياة، تراجع مسارها بشكل دوري، وتطرح في كل عام الأسئلة الصعبة، أين نحن؟ ماذا أنجزنا؟ ماذا أخفقنا فيه؟ ولماذا؟ وماذا يجب أن نغير؟ كما أن من المهم إنشاء نظام وطني ذكي لقياس الأداء، يعتمد على معلومات دقيقة ومدعوم بالذكاء الاصطناعي، يربط الأهداف بالمشاريع والنتائج، ويجمع الجهود الوطنية في اتجاه واحد، ويساعد صانع القرار على رؤية الصورة كاملة، واتخاذ القرار في الوقت المناسب. الكويت في الرؤية الجديدة، لا تحتاج إلى أن تحلم أكثر، بل إلى أن تنفذ أسرع، ولا تحتاج إلى أن تبدأ من جديد، بل إلى أن تبدأ من حيث وصلت، وأن تبني على ما تحقق، وتتعلم مما لم يتحقق، وتعيد توجيه مواردها نحو المستقبل. وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم هل نريد أن نبقى دولة تملك الثروة، أم نريد أن نصبح دولة تصنع القيمة؟