«هرمز» ليس ممراً للمساومة
في لحظات الحسم التاريخي لا يكون الصمت استراتيجية ولا تكون التهدئة غير المشروطة حكمة فبعض التنازلات لا يدفع ثمنها جيل واحد بل تدفع فواتيرها اجيال لم تشارك في صنع القرار. مضيق هرمز ليس مجرد بقعة مائية على الخريطة وليس ورقة تفاوض تطوى بعد جلسة سياسية بل هو شريان حيوي يرتبط به الاقتصاد العالمي ونبض مدن الخليج وحركة الطاقة والتجارة في العالم. واذا كانت ايران تنظر الى «هرمز» باعتباره ورقة قوة ومفتاحا للضغط الاقليمي فعلينا ان نقولها بوضوح لا لبس فيه: «هرمز» ليس بوابة ايرانية ولا ملكا لايران ولا يحق لطهران ان تتعامل معه وكأنها الوصية الوحيدة على امنه وحركته ومستقبله. القانون الدولي وتحديدا اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار يقر نظام المرور العابر في المضائق الدولية لكن القضية لا تتوقف عند النصوص القانونية وحدها، فالقوة الحقيقية لأي اتفاق تكمن في القدرة على حمايته ومنع تحويله الى ورقة ابتزاز سياسي والخطر الحقيقي ليس ان يغلق «هرمز» ليوم او اسبوع فهذه ازمة يمكن ادارتها والتعامل معها الخطر الاكبر هو ان يبقى «هرمز» مفتوحا شكلا ولكنه يصبح مفتوحا وفق الارادة الايرانية. عندها تتحول حرية الملاحة الى ورقة ضغط وتصبح حركة السفن والطاقة والتجارة رهينة لكل ازمة سياسية وتصبح طهران قادرة على فرض شروطها الاقليمية كلما ارادت استخدام موقعها الجغرافي كوسيلة للضغط، وهنا يجب ان نتوقف ونسأل بكل وضوح: هل نريد «هرمز» مفتوحا للجميع ام نريد «هرمز» مفتوحا بشروط طرف واحد؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين السيادة والارتهان. قد يرى البعض ان قبول الضغوط افضل من المواجهة وان التنازل المؤقت قد يشتري هدوءا مؤقتا وهذا منطق قد يبدو مقبولا في لحظة الازمة. لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا سنكسب اليوم بل ماذا سنخسر غدا ماذا سيحدث بعد عشرة اعوام اذا اصبح اقتصاد الخليج وحركة تجارته وامن طاقته مرتبطا بارادة قوة اقليمية واحدة؟ وماذا سنقول لاجيالنا عندما تسأل لماذا سمحتم بتحويل موقع استراتيجي دولي الى اداة ضغط على مستقبلنا؟ السلام الحقيقي لا يقوم على الخوف ولا على التهديد ولا على قبول الامر الواقع. السلام الحقيقي يقوم على التكافؤ والاحترام المتبادل وحرية الملاحة واحترام سيادة الدول. أما أن تصبح حرية الملاحة مشروطة بموقف سياسي او ارادة دولة واحدة فهذا ليس سلاما مستقرا بل تأجيل للازمة بثمن استراتيجي قد يكون اكبر بكثير من ثمن مواجهتها السياسية والدبلوماسية اليوم، ولهذا فإن الطريق ليس في اشعال الحرب بل في بناء قوة تمنع الحرب وتمنع الهيمنة في الوقت نفسه. أولا: يجب تفعيل مجلس التعاون الخليجي كقوة سياسية واستراتيجية اكثر تماسكا بحيث يكون امن الخليج وحرية الملاحة في «هرمز» مسؤولية جماعية لا قضية دولة منفردة. ثانيا: يجب بناء شبكة اوسع من الشراكات الدولية مع القوى الاقتصادية الكبرى التي تعتمد على طاقة الخليج وعلى رأسها الصين والهند وغيرها بحيث يصبح استقرار «هرمز» مصلحة دولية مشتركة لا ملفا خليجيا منفردا. ثالثا: يجب تعزيز المسار القانوني والدبلوماسي الدولي لحماية حرية الملاحة في المضائق الدولية ورفع مستوى الاهتمام الدولي باي محاولة لتحويل «هرمز» الى اداة ضغط او ابتزاز سياسي. رابعا: يجب على دول الخليج ان تبني منظومة ردع استراتيجية متكاملة سياسيا واقتصاديا ودفاعيا تجعل اي محاولة لفرض الهيمنة على «هرمز» غير قابلة للاستمرار. الخليج لا يريد الحرب وشعوبه ليست شعوبا تبحث عن الصراع لكن رفض الحرب لا يعني قبول الهيمنة والدعوة الى السلام لا تعني الاستسلام، والتهدئة لا تعني تسليم مفاتيح المستقبل والشعوب الحية لا تقبل ان تصبح رهينة لجغرافيا او لمعادلة تفرض عليها من الخارج والمطلوب اليوم ليس اشعال المواجهة بل منع فرض الامر الواقع وليس المطلوب اغلاق هرمز بل ضمان ان يبقى مفتوحا للجميع. ليس المطلوب تهديد احد بل ضمان ان لا يستطيع احد تهديد الجميع، وحرية الملاحة ليست منة تقدمها دولة لدولة وليست امتيازا تمنحه قوة اقليمية لجيرانها انها مصلحة دولية وحق يجب ان تحميه القوانين والارادة الدولية والتوازن الاستراتيجي والرسالة التي يجب ان تصل اليوم بصوت واضح وقوي هي: «هرمز» ممر للجميع وامنه مسؤولية الجميع وحرية الملاحة فيه حق للجميع ومستقبله ليس رهينة لمشروع توسعي واحد والدفاع عن حرية هرمز ليس بحثا عن الحرب بل هو دفاع عن السلام الحقيقي وهو دفاع عن استقلال القرار الخليجي وعن الامن الاقتصادي وعن استقرار المنطقة وعن حق الاجيال القادمة في ان تعيش بكرامة دون ان تنتظر إذنا من احد، فالخطر ليس فقط في ان يغلق «هرمز»، الخطر الاكبر ان يبقى مفتوحا ولكن تحت هيمنة طرف واحد وعندها قد نكتشف بعد فوات الاوان اننا لم نمنع الحرب بل سلمنا مستقبلنا للهيمنة باسم تجنبها.