مكة تصنع الردع.. حين تتحول القوة إلى طريق للسلام
في مكة المكرمة، لا تمرّ اللحظات الكبرى كأنها عابرة؛ فبعض الأمكنة لا تحفظ ذاكرة الحدث فحسب، بل تمنحه دلالته. وفي السابع من أغسطس 2026، احتضنت مكة توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة تنقل التعاون بين الدول الثلاث إلى مستوى متقدم من الردع المشترك، على قاعدة أن الاعتداء المسلح على أي منها يُعد اعتداءً عليها جميعًا. لكن قراءة هذا الاتفاق بعين المؤرخ لا تتوقف عند لحظة التوقيع؛ فالتاريخ لا يسجل اللحظة وحدها، بل يبحث عما صنعها. والاتفاق، بهذا المعنى، ليس بدايةً لعلاقات الرياض وأنقرة وإسلام آباد، وإنما ثمرة مسار طويل من الثقة وتراكم المصالح والتعاون، حتى أصبح الانتقال إلى إطار دفاعي ثلاثي تعبيرًا عن مرحلة جديدة في بناء القوة. وهنا تكمن الدلالة الأعمق: الدول لا تبني قوتها في ساعة الخطر، بل تبنيها في سنوات التراكم، ثم تستدعي ثمارها حين تتغير موازين المنطقة. ولم يأتِ اتفاق مكة في فراغ أمني، ولا كان وليد حادثة منفردة؛ فقد سبقت هذه اللحظة اعتداءات وتهديدات متكررة طالت المملكة العربية السعودية، واستهدفت أراضيها ومنشآتها ومصالحها الحيوية، وامتد خطرها إلى الملاحة والسفن التجارية. كما واجهت الكويت ودول خليجية أخرى تهديدات واعتداءات أكدت أن أمن المنطقة لا يمكن تقسيمه إلى ملفات منفصلة. ولم يعد تعقّد هذا المشهد مجرد تقدير سياسي؛ فقد كشفت السلطات العراقية خلال الأسابيع الماضية عن ورشة لتصنيع الطائرات المسيّرة في بغداد، وضبطت 25 هيكلًا ومعدات للتجميع والإنتاج، فيما فتحت بغداد تحقيقات عقب هجمات بمسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه المملكة. وهي شواهد تكشف كيف اتسعت أدوات التهديد وتشابكت مساراته حول الخليج. ومن هنا جاء الموقف الكويتي واضحًا وثابتًا؛ فقد أكدت دولة الكويت تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية ووقوفها إلى جانبها، ودعمها جميع الإجراءات التي تتخذها المملكة لصون سيادتها وأمنها واستقرارها ومصالحها، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن الكويت ودول مجلس التعاون. وفي الحساب الخليجي، لا تُقرأ قوة المملكة بوصفها قوة دولة منفردة؛ بل بوصفها إحدى ركائز أمن البيت الخليجي. ومع انتقال التهديد من البر إلى البحر، اكتسب المشهد بُعدًا أشد خطورة؛ فاستهداف السفن والناقلات لا يمس الدولة التي تحمل علمها وحدها، وإنما يهدد أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والممرات التي تصل الشرق بالغرب. وجاءت إدانة مجلس الأمن الأخيرة للهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية والهجمات التي استهدفت السفن التجارية لتؤكد أن الخطر تجاوز نطاقه المحلي إلى الأمن الإقليمي وحرية الملاحة، وأن ما تواجهه المنطقة لم يعد حوادث متفرقة، بل تحديًا متراكمًا يستدعي حماية أكثر صلابة وردعًا أكثر اتساعًا. كما جاء الاعتداء على السفينة الإماراتية أثناء عبورها مضيق هرمز شاهدًا آخر على أن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن الممرات البحرية؛ فما يصيب سفينة خليجية في شريان دولي قد يمتد أثره إلى الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي. وهنا تظهر فلسفة المملكة في أوضح صورها: حزمٌ يحمي السيادة، وشراكاتٌ تعمّق الردع، ودبلوماسيةٌ تفتح طريق السلام. فالردع ليس إعلانًا للحرب، بل وسيلة لمنعها. والقوة، حين تُبنى بعقل الدولة، لا تصبح نقيضًا للسلام، وإنما إحدى ضماناته. ولهذا لم تبنِ المملكة قوتها على السلاح وحده؛ بل وسعت اقتصادها، وطورت صناعاتها الدفاعية، وعمقت شراكاتها، ووسعت حضورها الدبلوماسي، وجعلت من قدرتها الوطنية قاعدةً لحماية قرارها ومصالحها. وفي هذا السياق، يصبح الأمن جزءًا من التنمية، لا ملفًا منفصلًا عنها؛ فلا استثمار يزدهر في بيئة مضطربة، ولا موانئ تؤدي دورها العالمي إذا أصبحت طرق التجارة رهينة للتهديد. أما القضية الفلسطينية، فبقيت حاضرة في الموقفين السعودي والكويتي وفي الحراك العربي والإسلامي، دعمًا للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتمسكًا بالقدس، وسعيًا إلى سلام عادل ودائم؛ بما يؤكد أن بناء القوة لا يعني غياب الدبلوماسية، وأن حماية الأمن لا تعني التخلي عن القضايا العربية. ومن منظور تاريخي، فإن الأهم في اتفاق مكة ليس فقط الدول الثلاث التي وقّعته، بل المسار الذي أوصلها إلى تلك اللحظة. فالمملكة لا تنشئ محورًا مغلقًا، وإنما تبني شبكة واسعة من الشراكات الخليجية والعربية والإسلامية والدولية، تجعل أمنها أكثر عمقًا، وخياراتها أكثر اتساعًا، وقدرتها على إدارة الأزمات أكثر استقلالًا. فالقوة السعودية اليوم لا تُقاس بما تستطيع المملكة أن تفعله في الحرب فقط، بل بما تستطيع أن تمنعه قبل أن تبدأ الحرب. وهنا تكمن قيمة اتفاق مكة. إنه ليس ردًا على حادثة منفردة، ولا صفحة معزولة عن سياق المنطقة؛ بل محطة في مسار بناء الردع، جاءت بعد تراكم التهديدات واتساع نطاقها، لتقول إن أمن الدول لا يُحمى بالتمنيات، وإنما بالقدرة والشراكة وحسن إدارة القوة. والمؤرخ حين يعود إلى هذه اللحظة لن يسجل أن ثلاثة قادة اجتمعوا في مكة ووقّعوا اتفاقًا دفاعيًا فحسب؛ بل سيسجل أن المنطقة كانت تعيد تعريف معنى الأمن، وأن المملكة اختارت أن تواجه هذا التحول ببناء قدرة تمنح الدبلوماسية مساحة أكبر، وتحمي التنمية من الاضطراب، وتمنع الآخرين من تحويل التهديد إلى أمر واقع. وهنا تبلغ الحكاية ذروتها: المملكة لا تبني القوة بحثًا عن الحرب؛ إنها تبنيها حتى لا تستطيع الحرب أن تفرض عليها طريقها. وفي مكة، لم تُوقَّع اتفاقية دفاع فحسب؛ بل تجسدت معادلة أعمق: حين يصبح الردع قادرًا على إيقاف الحرب قبل أن تبدأ، تصبح القوة نفسها طريقًا إلى السلام.