ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم فهد بدر الهلبان

بين الانفتاح والهوية.. كيف يصنع اللباس المحتشم معادلة التوازن الثقافي؟

في وقت تتسارع فيه الثورة الرقمية، وتتصارع المفاهيم وتتقارب فيه الثقافات بفعل العولمة ووسائل الاتصال الحديثة، لم يعد التحدي الحقيقي الذي تواجهه المجتمعات هو مواكبة التطور العلمي أو الانفتاح على العالم، فذلك أصبح ضرورة تفرضها متطلبات العصر. أما التحدي الأهم، فيكمن في تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين الاستفادة من منجزات الحضارة الإنسانية، والمحافظة في الوقت ذاته على الهوية الثقافية التي تمنح الأمم شخصيتها وخصوصيتها. فالتقدم لا يقاس بما تستورده الأمم من مظاهر الحداثة، بل بقدرتها على توظيفها بما ينسجم مع قيمها وثوابتها. وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى اللباس المحتشم بوصفه مجرد مظهر اجتماعي أو خيارًا شخصيًا، بل هو أحد الرموز الحضارية التي تعكس منظومة القيم والأعراف الراسخة في المجتمع الخليجي. فاللباس ليس قطعة قماش تُرتدى، وإنما رسالة ثقافية صامتة تعبّر عن الانتماء، والوقار، والاحترام، وتعكس الاعتزاز بالهوية الوطنية في مواجهة المتغيرات المتسارعة. ومع الانفتاح الإعلامي غير المسبوق، أصبحت المجتمعات تتعرض يوميًا لتدفق واسع من الأنماط السلوكية والثقافية القادمة من بيئات تختلف في قيمها وتقاليدها. والانفتاح في حد ذاته ليس خطرًا، بل هو فرصة للتعلم، والاستفادة من الخبرات، وتبادل المعرفة. غير أن الخطر يبدأ عندما يتحول إلى تقليد أعمى يطمس الشخصية الثقافية ويضعف ثقة المجتمع بموروثه الحضاري. فالحضارات القوية لا تذوب في غيرها، بل تتفاعل مع العالم وهي أكثر اعتزازًا بذاتها. وكما يقول مثل افريقي قديم: «النهر الذي ينسى منبعه، يجف.» وهو مثل متوارث في عدد من المجتمعات الافريقية، يعبّر عن أن الاستمرار والقوة يرتبطان بالتمسك بالجذور والأصول. وينطبق هذا المعنى على الأمم كما ينطبق على الأفراد؛ فالمجتمع الذي يحافظ على هويته وثقافته يكون أكثر قدرة على استيعاب المتغيرات والتفاعل معها، بينما يؤدي التفريط بالثوابت إلى تآكل الشخصية الحضارية مهما بلغ مستوى التقدم العلمي أو الاقتصادي. ومن هنا، يبرز اللباس المحتشم بوصفه أحد أهم مظاهر التوازن بين الحداثة والأصالة، فهو لا يقف في مواجهة التطور، ولا يعادي الانفتاح، وإنما يجسد مفهوم الانفتاح الواعي الذي يأخذ من الحضارات علمها، وتقنياتها، وخبراتها، دون أن يتخلى عن منظومته الأخلاقية والثقافية. فالمجتمع الواثق بهويته يمتلك القدرة على التمييز بين الاقتباس الذي يثري تجربته، والتقليد الذي يفقده خصوصيته. كما يمثل اللباس المحتشم رمزًا بصريًا للهوية الخليجية، وعنوانًا للخصوصية الثقافية في عالم تتقارب فيه الشعوب وتتداخل فيه المؤثرات. فالهوية الوطنية لا تُحفظ بالشعارات، بل بالممارسات اليومية التي تجعل القيم حاضرة في السلوك، والمظهر، والوعي العام. وكلما اشتدت رياح التغيير، ازدادت الحاجة إلى التمسك بالثوابت التي تحفظ للمجتمع تماسكه، وتصون شخصيته، وتعزز وحدته. ولا يفوتني في هذا الاطار التنويه الى المظاهر السلبية في بعض مولات الكويت و المظاهر والمناظر التي تعكر صفو اللباس الكويتي المتميز خليجيا. وقد لخّص المتنبي قيمة الثبات على المبادئ والسعي إلى المعالي بقوله: إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ فالهوية ليست عائقًا أمام التقدم، بل هي أساسه. فالعلم يمنح الأمم أدوات القوة، أما الثقافة فتصنع شخصيتها، والأخلاق تحفظ استمراريتها. وكل نهضة تفقد أحد هذه الأركان تبقى نهضة ناقصة، مهما حققت من إنجازات مادية. ختاما يتضح إن بناء المستقبل لا يتحقق بالمفاضلة بين الأصالة والحداثة، بل بالموازنة الحكيمة بينهما. فالعلم يفتح آفاق الابتكار، والثقافة تحفظ الجذور، والهوية تمنح المجتمع ثقته بنفسه. ومن هذا المنطلق، يظل اللباس المحتشم أكثر من مجرد مظهر خارجي؛ إنه رمز حضاري يعكس منظومة من القيم، ويجسد خصوصية المجتمع الخليجي، ويؤكد أن الأمم التي تعرف من تكون، هي الأقدر على أن تحدد إلى أين تريد أن تصل.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓