الدال الهشّة
ثمة ظاهرة اجتماعية تستحق أن تُدرَّس لا في كليات العلوم الإنسانية فحسب بل في مختبرات علم النفس أيضاً : ظاهرة يمكن تسميتها بـ«التضخم التعويضي للألقاب» حيث يصبح اللقب أكبر من صاحبه و«يخب عليه» ويغدو الاسم مجرد ملحق صغير يتدلى أسفل سلسلة طويلة من النياشين اللفظية. فكلما ازداد الإنسان علماً حقيقياً ازداد شعوراً باتساع ما يجهله وهذه ليست حكمة إنشائية بل نتيجة تكررت في دراسات علم النفس المعرفي وأشهرها ما عرف لاحقاً بتأثير «دانينغ-كروغر»، حيث يميل الأقل معرفة إلى المبالغة في تقدير قدراتهم بينما يميل الأكثر معرفة إلى قدر أعلى من التواضع والحذر في الأحكام. ولهذا لم يكن غريباً أن يقول سقراط قبل ألفي عام وأكثر: «كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئاً»، أما نحن فقد طورنا النظرية قليلاً، صرنا نعرف كل شيء بل ونعرف أننا نعرف كل شيء، بل ونطبع ذلك على الكروت أيضاً. تأمل قليلاً في أعلى سلطة سياسية في إحدى الدول العربية، المراسيم الملكية لا تبدأ عادة بسلسلة من الألقاب الأكاديمية المتراكمة كعربات قطار شحن طويل القرار الاسم أولاً ثم المنصب. لا أحد يقرأ: الأستاذ الدكتور البروفيسور المفكر الاستراتيجي العبقري الملهم... بل يقرأ اسماً مجرداً من الزينة اللفظية لأن قيمة الموقع لا تحتاج إلى مكبر صوت، فالجبال لا تعلق على قممها لافتة تقول إنها مرتفعة لكن ما إن نغادر قمم السلطة إلى بعض أودية المجتمع حتى يبدأ جراج الألقاب والصفات أستاذ دكتور. دكتور. فضيلة الشيخ. سماحة المجتهد. المحقق. المفكر. المثقف. الأديب. الروائي. المؤلف. الخبير الدولي. المستشار الاستراتيجي. والبقية تأتي في الطبعات اللاحقة. حتى تكاد بطاقة التعريف تبدو كسيرة ذاتية مصغرة يبي لها ملفاً أخضر أكثر منها اسماً لشخص وأحياناً يحتاج المرء إلى تقليب البطاقة بحثاً عن الاسم الحقيقي بين ركام الصفات المشكلة ليست في اللقب ذاته فاللقب الأكاديمي أو المهني توصيف وظيفي مشروع في سياقه المناسب المشكلة حين يتحول من معلومة إلى هوية. ومن تعريف إلى تعويض. ومن وسيلة إلى غاية. حين يصبح اللقب جهازاً تنفساً اصطناعياً للثقة بالنفس، فبعض الناس إذا سقطت عنه الدال سقط معها نصف احترامه لنفسه وإذا خاطبته باسمه المجرد ظن أنك ارتكبت جريمة أخلاقية تستوجب المحاكمة كأن سنوات الدراسة كلها اختُزلت في حرف واحد والحقيقة أن الدال الحقيقية ليست حرفاً يسبق الاسم بل حالة معرفية وأخلاقية هي تواضع الباحث وأدب العالم واتزان المفكر وحلم الفيلسوف ورحابة الإنسان. أما إذا غابت هذه كلها فلم يبق من الدال إلا شكلها الهندسي الجميل هنا في جامعات بريطانيا حتى مدير الجامعة فضلا عن الأساتذة الباحثين والمخترعين وأصحاب النظريات يطلب منك نداءه باسمه فقط ولا يرغب في تلقيبه، الدال عكفة أنيقة لا أكثر، أما المضمون فمسألة أخرى. ولأن اللغة العربية كريمة وسخية فإنها تمنح الدال احتمالات واسعة فليست كل دال تعني دكتوراً بالضرورة، قد تعني ـ أحياناً، «دلخاً» وقد تعني دباً ثقيل الظل وقد تعني دلالاً يبيع الوهم بالمفرق وقد تعني «دمبقجياً» محترفاً في صناعة الضجيج وقد تعني «دقمة» فكرية محكمة الإغلاق وربما داندرمة تذوب مع أول نقاش جاد أو تعني «دربك سمح» إذا انسدت الحجج وانتهت البراهين، فالحروف بريئة دائماً، أما المعاني فتأتي من أصحابها ومن الطرائف الاجتماعية أن بعض هذه الألقاب تظهر في أكثر الأماكن غرابة في بطاقات الزواج مثلاً. تجد اسم العريس مسبوقاً بسلسلة أكاديمية كاملة وكأن المدعوين سيحضرون مناقشة رسالة دكتوراه لا حفل زفاف، المثير أن مدير البنك لا يكتب منصبه ورئيس الشركة لا يكتب عدد موظفيه وصاحب المصنع لا يطبع حجم رأس ماله لكن بعض أصحاب الألقاب يصرون على اصطحابها حتى إلى قاعة الأفراح، ربما خوفاً من أن يضيع العريس بين المعازيم إذا تُرك اسمه وحيداً. في المجتمعات الواثقة من نفسها تسبق الإنجازات أصحابها. أما في المجتمعات القلقة فيسبق اللقب الإنجاز أحياناً ولذلك كان كبار العلماء عبر التاريخ أكثر الناس تواضعاً في تعريف أنفسهم. لأن المعرفة الحقيقية تجعل الإنسان يرى اتساع البحر لا حجم قاربه أما المعرفة الهشة فتكفيها بركة ماء صغيرة لتظن نفسها محيطاً الإنسان لا يكبر بما يضعه قبل اسمه بل بما يتركه بعده. فاللقب قد يفتح لك باب مجلس، أما الخلق والمعرفة فيفتحان لك أبواب القلوب. والناس قد يجاملون الدال ساعة، لكنهم يحترمون الإنسان عمراً كاملاً. لذلك حين يصبح الحرف أثقل من حامله وحين تتضخم الواجهة ويضمر المحتوى وحين يتحول اللقب إلى مشروع حياة كامل… فلا تسأل عن قيمة الدال. اسأل أولاً: هل هي دال دكتور؟ أم مجرد دالٍ هشّةٍ تتكئ على نفسها كي لا تسقط؟