هل نفكِّر... أم نكرِّر؟
دخل أحدهم مجلساً، فطرح رأياً بدا واثقاً إلى حدٍ جعل الاعتراض عليه يبدو وكأنه جهل. لم تمض دقائق حتى امتلأ المجلس بالموافقين، وتتابعت الحجج حتى خُيّل للحاضرين أن الحقيقة قد وصلت. وبعد أيام، حضرت مجلساً آخر، فوجدت الرأي نفسه وقد انقلب إلى نقيضه، والعجيب أن الوجوه ذاتها كانت تهز رؤوسها بالموافقة، والحماس ذاته يملأ الأصوات، والثقة نفسها لم تتغير. عندها لم أسأل: أي الرأيين أصح؟ بل سألت: هل كانت القناعة تتبع الحقيقة، أم تتبع آخر من تكلم؟ ذلك السؤال كشف لي أن أخطر ما قد يصيب العقل ليس أن يخطئ، بل أن يتوقف عن ممارسة وظيفته وهو يظن أنه يؤديها. فالتفكير فعلٌ مرهق، أما التكرار فمريح؛ والتعبير عن رأي جاهز أسهل بكثير من بناء رأي جديد. ولهذا لا تنتشر كثير من الأفكار لأنها أقوى، بل لأنها أكثر تداولاً. والمفارقة أن الكذب الصريح كثيراً ما يوقظ الحذر، أما الفكرة التي تتكرر في هدوء فإنها تتسلل إلى العقل دون مقاومة. لا تطلب منك أن تصدقها، بل تكتفي بأن تسمعها مرة بعد أخرى، حتى يأتي يوم تظن فيه أنك توصلت إليها بنفسك، بينما كانت هي التي وصلت إليك. ولذلك أصبحنا نردد عبارات كثيرة لا نعرف متى اقتنعنا بها أصلاً. تتكرر في التربية، والإدارة، والسياسة، والاقتصاد، والعلاقات، حتى تتحول من آراء قابلة للنقاش إلى مسلمات يصعب الاقتراب منها. وليس لأنها انتصرت بالحجة، بل لأنها انتصرت بالاعتياد. وهنا يظهر الفارق الذي يصنع استقلال العقل. فالتفكير لا يبدأ من الإجابة، بل من الشك فيها. ولا يبحث عما يؤكد القناعة، بل عما قد ينقضها. أما التكرار، فلا يعنيه صدق الفكرة بقدر ما يعنيه أن تظل مألوفة. ولهذا قد يختلف الناس في آرائهم، لكنهم يتشابهون في الطريقة التي تبنوها بها. ولعل أخطر ما يفعله التكرار أنه لا يصادر حرية الإنسان، بل يمنحه وهمها. فيظن أنه اختار، وهو لم يفعل سوى أن أعاد اختياراً سبق أن اختاره له غيره. وعندما غادرت ذلك المجلس، لم يشغلني الرأي الذي انتصر ولا الرأي الذي هُزم. بقي سؤال واحد يرافقني: كم فكرة أعتقد أنها تمثلني، بينما هي في الحقيقة مجرد صدى طويل لما اعتدت سماعه؟