ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم جمال الحمود

الاقتصاد والنفط هل حان وقت التحوُّل؟

تُعد الكويت واحدة من أهم الدول النفطية في العالم، فهي تحتل المرتبة السادسة عالمياً في حجم الاحتياطيات النفطية المؤكدة، كما تُصنف ضمن أكبر عشرة منتجي ومصدري النفط عالمياً، وقد شكّل النفط منذ اكتشافه، الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني وأسهم في بناء الدولة الحديثة، وتطوير البنية التحتية، وتحقيق مستوى معيشي متميز للمواطنين. إلا أن المتغيرات العالمية خلال السنوات الأخيرة فرضت واقعاً جديداً، فتقلبات أسعار النفط، والتوترات الجيوسياسية، واتفاقيات خفض الإنتاج، وتسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، جميعها تؤكد أن الاعتماد على مصدر دخل واحد لم يعد ضمانة كافية لاستدامة الاقتصاد الوطني. إن الدعوة إلى تنويع مصادر الدخل في الكويت ليست جديدة، بل تعود إلى أكثر من أربعة عقود، وبرزت بوضوح منذ ثمانينيات القرن الماضي مع تقلبات أسعار النفط، ومع مرور الوقت تحولت هذه الدعوة إلى توجه وطني ضمن خطط التنمية، وفي عام 2017 أصبحت الفكرة إطاراً وطنياً واضحاً ضمن رؤية الكويت الجديدة 2035، التي جعلت بناء اقتصاد متنوع ومستدام أحد أهم أهدافها، واليوم لم يعد التنويع خياراً بل ضرورة تفرضها المتغيرات الاقتصادية العالمية وضماناً لاستدامة التنمية للأجيال القادمة. إن كل أزمة تحمل في طياتها درساً، وما نعيشه اليوم يؤكد أن الثروة الحقيقية لا تكمن في الموارد الطبيعية وحدها، بل في القدرة على استثمارها بحكمة. فالدول التي استطاعت تحويل مواردها إلى صناعات، وتقنيات، ومعرفة، ورأس مال بشري، هي التي نجحت في بناء اقتصادات أكثر قوة ومرونة. أما الاقتصادات التي بقيت رهينة لمورد واحد، فإنها تظل أكثر عرضة لتقلبات الأسواق والأزمات العالمية. نأخذ نفساً عميقاً... لقد حان الوقت للانتقال من مرحلة الاعتماد على النفط إلى مرحلة تعظيم قيمته، فلا يكفي أن نستخرج النفط ونصدره، بل يجب أن نوسع قاعدة الصناعات النفطية والبتروكيماوية، ونطور الصناعات المرتبطة بالطاقة، ونستثمر في التقنيات الحديثة التي تجعل من هذا القطاع أكثر كفاءة واستدامة. وفي الوقت ذاته، لا بد من فتح آفاق جديدة للاقتصاد الوطني، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، بما يخلق مصادر دخل جديدة، ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة المتغيرات العالمية. ويبقى الإنسان هو الاستثمار الأهم، فبناء الكفاءات الوطنية، وتأهيل الشباب، ودعم الابتكار، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الحديث، هي الأساس الحقيقي لأي نهضة اقتصادية. فالمورد البشري المبدع قادر على خلق فرص لا تنضب، بينما الموارد الطبيعية مهما عظمت تبقى محدودة. ولتحقيق هذه الرؤية، لا بد من شراكة حقيقية بين القطاعين الحكومي والخاص، تقوم على الثقة، وتكامل الأدوار، وتحفيز الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص من قيادة المشاريع التنموية والإنتاجية. فهذه الشراكة لا تسرّع عجلة التنمية فحسب، بل تخفف كذلك العبء المالي عن الدولة، وتجذب الاستثمارات، وتنقل الخبرات، وتوفر فرص عمل نوعية، لتتحول التنمية إلى مسؤولية وطنية مشتركة، يساهم فيها الجميع. لقد منحنا النفط بداية قوية، لكن المستقبل لن يُبنى بالنفط وحده، بل بالعقول التي تُبدع، وبالاقتصاد الذي يتجدد، وبالشراكات التي تصنع القيمة، وبالرؤية التي تسبق التحديات. وإذا أردنا أن نترك للأجيال القادمة وطناً أكثر قوة وازدهاراً، فإن أفضل وقت لبدء هذا التحول هو اليوم، لأن المستقبل لا ينتظر من يتردد، بل يكافئ من يستعد له.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓