وجهة نظر: «أوراكل» راهنت على الذكاء الاصطناعي... وحان موعد استحقاق الفاتورة

قبل أربعة عشر شهراً، كان سهم «أوراكل» الأكثر سخونة بقطاع التكنولوجيا. ففي سبتمبر 2025، وبعد الكشف عن عقود جديدة للخدمات السحابية بقيمة مئات مليارات الدولارات، سجَّل سهم الشركة مستوى قياسياً بلغ 323.43 دولاراً. لكن السهم أغلق في 2 نوفمبر 2026 عند 119.22 دولاراً، متراجعاً بأكثر من 60 في المئة.
وجاءت الشرارة من إفصاح الشركة عن خطتها لجمع 20 مليار دولار إضافية عبر إصدار أسهم وسندات لتمويل توسعها في مجال الذكاء الاصطناعي، بعد 5 أيام فقط من إبلاغ المستثمرين بأن هذا المبلغ سيكون سقف التمويل الذي تحتاج إليه حتى السنة المالية 2030. وهبط السهم بنسبة 8.8 في المئة في يوم واحد.
على مدى عقود، كانت «أوراكل» أشبه بآلة لتوليد السيولة، إذ تبيع قواعد البيانات وبرمجيات الأعمال التي نادراً ما يتخلى عنها العملاء. لكن الذكاء الاصطناعي غيَّر نموذجها. فقد قرَّرت الشركة بناء مراكز البيانات العملاقة التي تحتاج إليها شركات، مثل «أوبن إي آي» OpenAI، ووقَّعت معها في عام 2025 عقداً تُقدَّر قيمته بنحو 300 مليار دولار. وقفزت قيمة الأعمال المتعاقد عليها، التي لم تُسجّل إيراداتها بعد، من 138 إلى 664 مليار دولار خلال ما يزيد قليلاً على عام.
هذا النمو حقيقي، فقد ارتفعت الإيرادات بنسبة 30 في المئة إلى 19.3 مليار دولار بالربع المنتهي في أغسطس، كما زادت إيرادات البنية التحتية السحابية بأكثر من الضعف، لكن «أوراكل» مطالبة ببناء مراكز البيانات قبل تحصيل عائداتها، وقد لجأت إلى الاقتراض بكثافة لتمويل ذلك.
في السنة المنتهية في مايو 2026، ارتفعت النفقات الرأسمالية بنسبة 162 في المئة إلى 55.7 مليار دولار، وتحوَّل التدفق النقدي الحُر إلى عجز بلغ 23.7 ملياراً. ووصل إجمالي الديون إلى نحو 130 ملياراً. وتخطط «أوراكل» لإنفاق رأسمالي يتراوح بين 90 و95 مليار دولار خلال السنة الحالية. وتتوقع وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني عجزاً نقدياً يقارب 42 مليار دولار، يُضاف إليه نحو 260 ملياراً من التزامات استئجار مراكز البيانات التي يبدأ سريانها بحلول عام 2029.
وفي يوليو، خفَّضت «ستاندرد آند بورز» تصنيف «أوراكل» إلى BBB-، أي درجة واحدة فوق مستوى السندات عالية المخاطر، معترفة بقولها: «لقد قلَّلنا من تقدير حجم الاستثمارات المطلوبة». كما خفَّضت «أوراكل» نحو 21 ألف وظيفة خلال السنة المالية 2026، أي ما يعادل 13 في المئة من قوتها العاملة.
يكمن مصدر القلق الأعمق في تركُّز الالتزامات لدى عميل واحد. فشركة أوبن إي آي تستحوذ على نحو نصف الأعمال المتعاقد عليها لدى «أوراكل»، وفق «ستاندرد آند بورز»، وهي شركة لا تحقق أرباحاً. وفي أبريل، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن «أوبن إي آي» أخفقت في بلوغ أهداف داخلية للإيرادات وعدد المستخدمين، وأن المديرة المالية لديها أبدت قلقاً من القدرة على سداد كُلفة عقود الحوسبة المستقبلية. ووصفت «أوبن إي آي» التقرير بأنه «سخيف»، لكنها أفادت لاحقاً بأنها خفَّضت خطط الإنفاق على الحوسبة حتى عام 2030 إلى نحو 600 مليار دولار، بعدما كانت 1.4 تريليون دولار.
إذا عجزت «أوبن إي آي» عن الدفع، فقد تجد «أوراكل» نفسها عالقة بالتزامات استئجار لا تستطيع التخلص منها. وتسعى الشركة إلى تنويع أعمالها، إذ ستُتيح استخدام رقائق TPU التابعة لـ «غوغل» اعتباراً من عام 2027، وتتوقع أن يتحوَّل تدفقها النقدي الحُر إلى موجب في السنة المالية 2028. ويتفق بعض المحللين مع هذه النظرة، فقد رفعت مؤسسة ستيفنز توصيتها للسهم في 2 نوفمبر.
لن تختفي «أوراكل» من السوق، فبرمجياتها تعمل داخل عددٍ كبير من المصارف والحكومات وشركات الاتصالات وشركات الطيران في العالم. لكن سلوك المورد الذي يواجه ضغوطاً مالية قد يتغيَّر. وينبغي للعملاء الاستعداد لعمليات تدقيق أكثر تشدداً على تراخيص الاستخدام، وارتفاع أسعار الدعم الفني، وضغوط للانتقال إلى السحابة التابعة لـ «أوراكل»، فضلاً عن احتمال تقلُّص فرق الدعم بعد خفض الوظائف.
وتبدو منطقة الخليج معرَّضة بشكلٍ خاص لهذه المخاطر. فقد التزمت «أوراكل» باستثمار 14 مليار دولار على مدى 10 سنوات في السعودية، حيث تُدير مناطق للخدمات السحابية في جدة والرياض. كما تعهدت بزيادة استثماراتها في أبوظبي خمسة أضعاف، وهي شريك في مشروع «ستارغيت الإمارات» (Stargate UAE)، وهو مجمَّع للذكاء الاصطناعي بقدرة غيغاواط واحد يجري بناؤه بالتعاون مع مجموعة G42 وOpenAI.
وينبغي للحكومات والشركات الخليجية التي تبني خدمات وطنية على بنية «أوراكل» أن تطرح أسئلة مباشرة: ماذا سيحدث للأسعار ومستوى الخدمة إذا قلَّصت الشركة أعمالها؟ وهل يوجد مسار واقعي للخروج من الاعتماد عليها؟ وهل توزّع الأعمال الحيوية على أكثر من مزوِّد للخدمات السحابية؟ لا يتعلق الأمر بإثارة الذعر، بل بإدارة أساسية لمخاطر الاعتماد على المورِّدين.
ليس كل مستثمر في الذكاء الاصطناعي محكوماً بمصير «أوراكل»، فشركات: مايكروسوفت، وألفابت، وأمازون، وميتا، ستنفق نحو 700 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هذا العام، وفق «مورغان ستانلي»، لكن معظم هذا الإنفاق سيموّل من أرباحها القائمة. أما «أوراكل»، فقد لجأت إلى الاقتراض، رغم امتلاكها قاعدة نقدية أضعف، وربطت جزءاً كبيراً من رهانها بعميلٍ واحد.
مع ذلك، تتقلص الفجوة، وتتوقع «مورغان ستانلي» أن يتجاوز إصدار الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي هذا العام مثلي مستواه السابق، ليقترب من 570 مليار دولار. وخلال هذا الأسبوع، عادت «أوراكل» و«ألفابت» و«ميتا» جميعها إلى أسواق السندات. وكلما زاد تمويل الذكاء الاصطناعي بالديون، ازدادت أهمية وصول الإيرادات في مواعيدها.
هذا هو الدرس الذي تقدِّمه «أوراكل». قد يغيِّر الذكاء الاصطناعي الاقتصاد العالمي بالفعل، لكن الإيرادات الموعودة على مدى عقد لا تسدد فوائد ديون هذا العام. وعلى كل مجلس إدارة يُراهن على الذكاء الاصطناعي أن يطرح السؤال الذي يشغل المستثمرين في «أوراكل» الآن: إذا تأخر العائد المنتظر، فهل نستطيع تحمُّل كُلفة الانتظار؟
* الرئيس التنفيذي لشركة دو كابيتال في سي، ومحاضر زائر في ريادة الأعمال، ومؤسس الغرفة الإسلامية العالمية للتجارة والصناعة عبر الإنترنت، وهو أيضاً متحدث عالمي في مجالات الاستراتيجية وتطوير الشركات الناشئة، ويُعرف برؤاه في الاقتصاد وبناء منظومات أعمال مبتكرة، وأخلاقية، وقابلة للتطوير.
تراجع أسهم أوراكل وارتفاع ديونها لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي مع أوبن إي آي