هذه الفرصة الأخيرة لتثبيت قضاة يؤمنون بالتفسير الأصلي للدستور

«لا تتركوا أي مقعد شاغراً»... كان ذلك شعار السيناتور ميتش ماكونيل عشية جلسة الكونغرس المنتهية عام 2020، وهو الشعار الذي ينبغي للجمهوريين في مجلس الشيوخ تبنيه خلال الشهرين المقبلين. فبعد الأداء الكارثي للحزب في انتخابات التجديد النصفي، ستكون هذه آخر فرصة متاحة منذ فترة طويلة لتثبيت قضاة دستوريين يؤمنون بالتفسير الأصلي للدستور. وتقدم جلسات الكونغرس المنتهية السابقة دروساً مهمة ينبغي الاستفادة منها اليوم.
في عام 2020، ومع إدراكه أن الرئيس جو بايدن سيختار مرشحين للقضاء يختلفون تماماً عن أولئك الذين يفضلهم الجمهوريون، مضى زعيم الأغلبية، آنذاك، ماكونيل في جدول أعمال مجلس الشيوخ، ونجح في تثبيت 14 قاضياً في المحاكم الاتحادية المنصوص عليها في المادة الثالثة من الدستور. وكما هو الحال اليوم، كان الجمهوريون يشغلون 53 مقعداً، وعملت قيادتهم على ضمان حضور أعضائها وتصويتهم. لكن الأغلبية ستنخفض هذه المرَّة إلى 52 مقعداً في 15 ديسمبر، مع انتهاء مدة تعيين السيناتور الجمهوري عن أوهايو جون هستد.
ومن المهم أيضاً أن السيطرة على مجلس الشيوخ في يناير 2021 كانت غير محسومة، آنذاك، بسبب جولتي إعادة انتخاب في ولاية جورجيا، وهو ما قلل حوافز الديموقراطيين لتكثيف معارضتهم.
وكان زعيم الأغلبية تشاك شومر قد استوعب هذا الدرس بعد أربع سنوات، حين نجح في تثبيت 22 قاضياً خلال جلسة الكونغرس المنتهية عام 2024. لكنه أخفق في تمرير تعيينات أربعة مرشحين لمحاكم الاستئناف. فمنذ البداية، أظهر الجمهوريون استعداداً لاستخدام أساليب المماطلة لعرقلة خطواته في كل مرحلة، وإجبار الديموقراطيين على دفع ثمن إجرائي مقابل تعييناتهم القضائية. وعلى خلاف ما كان عليه الوضع عام 2020، كان الجمهوريون يعلمون أنهم سيسيطرون على المجلس في يناير. وبدلاً من خوض حرب برلمانية استنزافية تستمر ستة أسابيع، والاعتماد على احتمالات حضور الأعضاء وغيابهم، اختار شومر إبرام اتفاق مع زعيم الأقلية ماكونيل، يقضي بعدم طرح مرشحي محاكم الاستئناف الذين يُرجح افتقارهم إلى الأغلبية، مقابل امتناع ماكونيل عن عرقلة تعيين قضاة المحاكم الابتدائية.
أما جلسة الكونغرس المنتهية عام 2018، فقد سارت على نحو مختلف تماماً. كانت الأغلبية الجمهورية 51 مقابل 49، وكان هناك 13 مرشحاً لمحاكم الاستئناف ينتظرون التثبيت. لكن المجلس لم يقر سوى تعيين واحد، لأن السيناتور الجمهوري عن أريزونا جيف فليك رفض دعم بقية المرشحين، ما لم يطرح ماكونيل تشريعاً يحمي المحقق الخاص روبرت مولر من الإقالة. رفض زعيم الأغلبية ذلك، لكن الجمهوريين تمكَّنوا لاحقاً من تثبيت جميع مرشحي محاكم الاستئناف خلال الدورة التشريعية السادسة عشرة بعد المئة، عندما ارتفعت أغلبيتهم إلى 53 مقعداً.
ينبغي لأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين استخلاص العِبر من هذه التجارب خلال الجلسة الحالية. فمع اقتراب انتقال السيطرة إلى الديموقراطيين، عليهم توقع أن يستخدم شومر كل الوسائل المتاحة لعرقلة أجندتهم القضائية. وهذا يعني ضرورة حضورهم والتصويت بالموافقة لاستكمال التعيينات المتراكمة. ولن ينجح زعيم الأغلبية جون ثون في ذلك إلا إذا حضر أعضاء كتلته وصوَّتوا.
وعلى خلاف ما حدث عام 2018، لن تُملأ الشواغر القضائية القائمة خلال الدورة المقبلة، بل ستظل معلَّقة، في أفضل الأحوال. لذلك ينبغي مقاومة إغراء تكرار مناورة فليك. فقد اتخذ موقفاً رآه مبدئياً، لكنه أخفق؛ إذ لم يُقر تشريع مولر قط. وباستعارة عبارة ماكونيل، يتعيَّن على أعضاء مجلس الشيوخ أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون تسجيل موقف أم إحداث فرق. انتهى الأمر بفليك إلى مجرَّد تسجيل موقف. وأي مواقف مماثلة يتخذها الجمهوريون اليوم ضد الرئيس ترامب على حساب التعيينات القضائية ستؤول إلى النتيجة نفسها. أما تثبيت قضاة يؤمنون بالتفسير الأصلي للدستور، فسيُحدث فرقاً حقيقياً.
إن تثبيت المرشحين المطروحين حالياً في دائرتَي الاستئناف الخامسة والثامنة من شأنه أن يعزز مكانة اثنتين من أكثر محاكم الاستئناف التزاماً بالتفسير الأصلي للدستور في تاريخ البلاد، وأن يضمن استمرار هذا النهج المنظور إليه لسنوات طويلة. أما مرشحو المحاكم الابتدائية، فيضمّون أسماء شابة لامعة من المنتمين إلى جمعية الفدراليين، ومن المتوقع أن يشغلوا مناصبهم لعقود.
وإذا كان أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون، الذين يشعرون بغضب مفهوم بعد نتائج الانتخابات النصفية، يريدون إبعاد أنفسهم عن الرئيس ترامب، فإن تثبيت هؤلاء القضاة هو أفضل وسيلة لتحقيق ذلك. ومن الحقائق التي لا يعرفها كثيرون أن إدارة ترامب الأولى مارست ضغوطاً كبيرة على قيادة الجمهوريين في أواخر عام 2020 لعدم تثبيت هذا العدد الكبير من القضاة. وربما أرادت الإدارة، بسبب موقفها «السياسي» من نتائج الانتخابات الرئاسية، إعطاء الأولوية لتعيينات المسؤولين في السُّلطة التنفيذية. لكن ماكونيل رفض، مفضلاً التعيينات القضائية مدى الحياة على المناصب التنفيذية التي تنتهي بعد أسابيع. بل إن البيت الأبيض ذهب إلى حد سحب ترشيح أحد المسؤولين في السُّلطة التنفيذية، المرتبط بولاية ماكونيل، كنتاكي، في محاولة فاشلة لإجباره على تغيير مساره.
يستطيع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون إحداث فرق وتوجيه رسالة واضحة، عبر وضع الدستور أولاً، وتثبيت المرشحين الذين يؤمنون بالتفسير الأصلي له، قبل فوات الأوان. قد تمنح الخلافات الصغيرة أو المصالح الضيقة مع ترامب أصحابها عناوين صحافية إيجابية اليوم، لكنها ستُنسى خلال أسبوع. أما التعيين القضائي، فقد يستمر أثره مدى الحياة.
مناقشة استراتيجية تثبيت القضاة في مجلس الشيوخ الأمريكي